العربية

الأسبوع العشرون من الزمن العادي

المجلدات الأربعة جميعها متاحة بطبعة ورقية بغلاف مرن & بصيغة كتاب إلكتروني!

جدول المحتويات

التماس فتات الرحمة

الأحد العشرون من الزمن العادي (السنة أ)

في ذلك الوقت، انصرف يسوع إلى نواحي صور وصيدا. وإذا بامرأة كنعانية من تلك المنطقة جاءت تصيح: «ارحمني، يا رب، يا ابن داود! إن ابنتي يعذبها شيطان». متى 15:21–22

بعد أن واجه الفريسيون يسوع بتحدٍّ قاسٍ، سار هو وتلاميذه مسافة 35 ميلًا نحو الشمال الغربي إلى منطقة تقع في أرض وثنية، وخارج نطاق سلطة هيرودس والقادة اليهود. وربما كان ذلك وقت راحة له ولتلاميذه، وفرصة ليسوع كي ينشّئ تلاميذه بصورة أكثر مباشرة. وخلال هذه الخلوة، جاءت امرأة وثنية تطلب المساعدة من يسوع.

ومع تتابع أحداث الرواية، نرى أن صلاتها نموذج لنا جميعًا. أولًا، تعترف بهوية يسوع: إنه ابن داود. وهذا إظهار لإيمانها، وتباين واضح مع انعدام الإيمان الذي واجهه يسوع لدى كثيرين من أهل الجليل. ثانيًا، تعبّر عن طلبها بلغة مباشرة وبسيطة: «ارحمني!» وأيضًا: «يا رب، أعنّي». ثالثًا، تتسم صلاتها بالمثابرة. فيتيح لها يسوع أن تُظهر مثابرتها، إذ يصمت أولًا إزاء طلبها، ثم يقول لها: «لا يصح أن يؤخذ خبز البنين ويُلقى إلى الكلاب». ومن الواضح أن يسوع لا يقول هذا ليكون فظًا، بل ليدعوها إلى إظهار إيمانها بمثابرة. وهذا ما تفعله بالفعل. وأخيرًا، تتسم صلاتها بتواضع عميق. فتجيبه: «أرجوك، يا رب، فحتى الكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أصحابها». كانت تلتمس «فتات» رحمة يسوع، فنالت رحمته بوفرة.

هل تتوق إلى فتات رحمة يسوع كما يتوق الكلب إلى الفتات المتساقط من مائدة صاحبه؟ نرجو أن يكون الأمر كذلك. فهذا هو الاستعداد الداخلي الذي يجب أن يكون لنا جميعًا في الصلاة. أحيانًا، قد نظن، بدافع الكبرياء، أن لنا حقًا في رحمة الله. وقد نظن أن الله مدين لنا. ومع أننا قد ندرك أن الرحمة ليست أمرًا نستحقه، فعلينا أن ندع هذه الحقيقة تتغلغل في أعماقنا. ولهذا السبب تكتسب هذه القصة أهمية كبيرة. فهي تقدّم لنا الطريقة المثلى للصلاة والاستعداد الداخلي المتواضع الذي يجب أن نتحلّى به حين نقترب من الله.

تمهّل بروح الصلاة أمام صورة كلب يستعطي الفتات من المائدة. فعندما يُعطى الكلب ما تبقّى من الطعام، يغمره الفرح. أما نحن، فلا نرغب في أكل الفتات من طبق شخص آخر. ولكن إن كان «الطبق» يخصّ مخلّص العالم، وكان «الطعام» هو نعمته ورحمته، فإن ذلك يغيّر كل شيء. وفي النهاية، يدعونا السيّد أيضًا إلى المائدة ويطعمنا من أجود الطعام الروحي. لكن هذا لا يغيّر حقيقة أنه يجب أن نتحلّى دائمًا بالاستعداد المتواضع الذي جسّدته هذه المرأة المتواضعة.

تأمّل اليوم في هذه المرأة القديسة. ففي النهاية، هتف يسوع: «أيتها المرأة، عظيم إيمانك!» لكن ذلك لم يحدث إلا بعدما عبّرت عن إيمانها بكل قلبها، بتواضع ومثابرة. وإذ تتخذها مثالًا مشرقًا، تأمّل في كيفية صلاتك إلى الله. هل تصلّي وأنت ترى نفسك بارًا، وكأنك تستحق رحمة الله؟ هل تميل إلى النظر إلى الله على أنه مدين لك بشيء؟ هل تغضب من الله حين لا يستجيب فورًا لمطالبك؟ حاول أن تتواضع مثل هذه المرأة. توسّل إليه أن يمنحك كل ما يريد أن يعطيك إياه. افعل ذلك بمثابرة وبأقصى درجات الثقة. فإن فعلت، لن يكتفي ربّنا بأن يفيض عليك فتات رحمته، بل سيرفعك أيضًا ويدعوك إلى وليمة نعمته الوافرة المجيدة.

يا يسوع الفائق الرحمة، أتوسّل إليك أن أنال ولو الفتات من مائدة رحمتك. أطلب إليك هذا من كل قلبي. ومع أنني لا أستحقك، فإنني ألتمسك رغم ذلك. أنت تعرف ما أحتاج إليه، يا ربّي الحبيب؛ فأرجوك أن تسبغ عليّ رحمتك لتلبّي تلك الاحتياجات. يا يسوع، إني أثق بك.


التغيّر بفعل الإفخارستيا

الأحد العشرون من الزمن العادي (السنة ب)

قال يسوع للجموع: «أنا الخبز الحي الذي نزل من السماء؛ من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد؛ والخبز الذي سأعطيه هو جسدي من أجل حياة العالم». يوحنا 6:51

لا بدّ أن هذا الكلام كان صادمًا إلى حدّ ما للذين سمعوا يسوع يقوله للمرة الأولى. فبعد أن قال يسوع ذلك مباشرة، نقرأ أن «اليهود تخاصموا فيما بينهم قائلين: كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده لنأكله؟» وقد واجه يسوع حيرتهم بكلام أكثر صراحة، إذ قال: «الحقّ الحقّ أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في داخلكم». لا بدّ أن الحائرين ازدادوا حيرة، وأن المؤمنين تعمّق إيمانهم حين سمعوا يسوع يعلّم بهذا الوضوح والعمق.

بالطبع، كان يسوع يتكلّم عن الإفخارستيا. فالإفخارستيا هي حقًا جسده ودمه ونفسه ولاهوته. نحن نعرف ذلك ونؤمن به. لكن من الممارسات الروحية المفيدة أن نعود، من حين إلى آخر، إلى تعليم ربّنا الصريح جدًا والقاطع. ففي أعمق مستوياتها، ستظلّ الإفخارستيا دائمًا سرًا إيمانيًا عميقًا. كيف يمكننا أن نأكل جسده ونشرب دمه؟ لمن لا إيمان له ولا فهم أساسي للإفخارستيا، يبدو هذا التعليم صادمًا وغير قابل للتصديق. وفي الواقع، يسهل أن نفهم كيف أن بعض الذين سمعوا هذا التعليم أول مرة تخاصموا فيما بينهم وهم في حيرة. ولهذا السبب، علينا أن نصغي إلى كلمات يسوع بموهبة الفهم الروحية، حتى لا نكون من الحائرين. فالفهم موهبة من الروح القدس تفتح أذهاننا على الحقائق الروحية العميقة التي يكشفها يسوع. وإن حاولنا الإصغاء إلى هذا التعليم معتمدين على عقلنا البشري وحده، فلن نفهمه أبدًا.

حين تتأمّل في تعليم يسوع عن الإفخارستيا المقدسة، ماذا تفهم وبماذا تؤمن؟ فكّر خصوصًا فيما يجول في ذهنك حين تشارك في القداس الإلهي وتتقدّم لتناول المناولة المقدسة. ما الذي يحدث في داخلك عادة في تلك اللحظة؟ يتقدّم بعضهم مشتّتي الذهن أو حتى غير مبالين، ويولون المحيطين بهم اهتمامًا أكبر من اهتمامهم بالإفخارستيا. ويتقدّم آخرون لمجرّد العادة، لأن هذا ما اعتادوا فعله دائمًا. ويرى بعضهم الإفخارستيا أقرب إلى رمز لمشاركتنا في مائدة الله. لكن بعضهم يتقدّم بجوع وعطش روحيين عميقين إلى الله، ويتناولونه بإيمان، ويحبّونه حبًا عميقًا إذ يأكلونه، ويمتلئون ترقّبًا مفعمًا بالرجاء في أن يغيّرهم قبولهم لهذه العطية المقدسة من الداخل، ويثبّت خطواتهم أكثر على طريق القداسة. أيّ هؤلاء تشبه أكثر؟

إن الإيمان بالإفخارستيا المقدسة وتناولها بأقصى درجات الإيمان والتقوى لن يتحقّقا إلا حين نؤمن. لكن الإيمان لا يأتي تلقائيًا. فهو يتطلّب أولًا الفهم. ولن يأتي الفهم إلا حين نسمح لأذهاننا بأن تتفاعل مع سرّ يسوع وتعليمه، فتتفكّر فيه وتتأمّله وتسبر أغواره، وننفتح على صوت الله الوديع الذي يكشف لنا الحقائق. لا تكفي الكلمات لشرح هذا السرّ. وحدها الصلاة التي ينفتح فيها الإنسان على صوت الله تكفي.

تأمّل اليوم في كيفية إقبالك على المناولة المقدسة كل أسبوع. ابدأ بالتفكير في المرات القليلة الأخيرة التي تقدّمت فيها لتناول ربنا على هذا النحو. ثم فكّر في مدى عمق فهمك لتلك اللحظة. هل تُحدث تحوّلًا فيك؟ هل أنت من الذين يجوعون ويعطشون إلى يسوع؟ هل تلاحظ الآثار الروحية التي تحدث في داخلك نتيجة تناولك الإفخارستيا؟ إن كان الأمر كذلك، فعمّق إيمانك بالالتزام بمشاركة أكثر امتلاءً بالصلاة في القداس الإلهي في المرة المقبلة التي تحضره فيها. وإن لم يكن الأمر كذلك، فحاول أن تتراجع خطوة وتفحص ما تؤمن به فعلًا، وما تلتبس عليك حقيقته، وما لا تؤمن به. لن ننال في حياتنا عطية أعظم من الإفخارستيا. آمن بذلك من كل قلبك، وستغيّر الإفخارستيا حياتك.

يا ربي الحاضر في الإفخارستيا، إني أؤمن؛ فأعن قلّة إيماني. أشكرك على عطية ذاتك التي تهبني إياها في المناولة المقدسة. أرجوك أن تواصل تعليمي عن هذه العطية، يا ربّي الحبيب. افتح ذهني للفهم، لكي أتقدّم دائمًا إلى المناولة بأعظم إيمان ومحبة ورجاء. يا يسوع، إني أثق بك.


الوحدة الروحية

الأحد العشرون من الزمن العادي (السنة ج)

«أتظنون أني جئت لأحلّ السلام في الأرض؟ أقول لكم: لا، بل الانقسام. فمن الآن يكون خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة على اثنين واثنان على ثلاثة؛ ينقسم الأب على ابنه والابن على أبيه، والأم على ابنتها والابنة على أمها، والحماة على كنّتها والكنّة على حماتها». لوقا 12:51–53

يستهلّ يسوع هذا المقطع بقوله: «جئت لألقي نارًا على الأرض، وكم أودّ لو كانت قد اشتعلت!» إن «النار» التي يتحدث عنها هي نار رحمته المطهِّرة التي أفاضها من على الصليب حين بذل حياته من أجل خلاص العالم. تُوهب لنا رحمته لتحرّرنا من خطايانا وتطهّر نفوسنا، لكي يأتي الله نفسه ويسكن في داخلنا. لهذا نحن موجودون. فالله يريد أن يسكن في داخلنا، ويريدنا أن نكون في اتحاد كامل به.

من الثمار المجيدة لاتحادك بالله أن هذا الاتحاد يُنشئ أيضًا رباطًا روحيًا مع الآخرين المتحدين بالله. لقد خُلقنا للشركة مع الله، ولكن أيضًا للشركة بعضنا مع بعض. ويدعو الله أفراد العائلة على نحو خاص إلى المشاركة في هذه الوحدة. ومع أن هناك مستويات كثيرة من الصداقة والوحدة التي يمكن أن تجمعنا بعضنا ببعض، فإن أعمق الروابط تنشأ بين نفسين تتحد كلٌّ منهما بالله. فعلى سبيل المثال، قد يشجّع شخصان الفريق الرياضي نفسه أو تكون لهما الاهتمامات نفسها، فينشأ بينهما رباط أو شكل من أشكال الصداقة. وهذا أمر حسن. ولكن حين يكون كلٌّ من هذين الصديقين أيضًا متحدًا بالله اتحادًا عميقًا، فإن الوحدة تنبع من الله، لا من أمر أكثر سطحية.

يكشف لنا المقطع الإنجيلي أعلاه، بما يضعه أمامنا من تحدٍّ، ما يحدث حين لا ينفتح فرد أو أكثر من أفراد العائلة على نار محبة الله المطهِّرة، وبالتالي لا يعيش في اتحاد بالله. والنتيجة هي الانقسام، على الأقل على المستوى الأعمق والأصدق. فليس الله سبب الانقسام، بل الخطيئة. حين يكون شخص متحدًا بالله ويكون آخر غارقًا في حياة الخطيئة، لا تكون الوحدة الروحية الحقيقية ممكنة. بالطبع، قد يظل الاثنان يشتركان في بعض الاهتمامات، بل قد ينسجمان في حياتهما اليومية على نحو سطحي، لكن لن تكون هناك أبدًا خبرة صداقة وشركة روحيتين أصيلتين إن كان الله غائبًا عن أحد القلبين أو كليهما.

حين يقول يسوع إنه جاء ليُحدث انقسامًا داخل العائلة، فإنه يشير ببساطة إلى أن انقسامًا سيحدث فعلًا داخل العائلة حين لا يكون جميع أفرادها متحدين بالله. وإضافة إلى ذلك، يحذّرنا يسوع من أنه إذا حاول أحد أفراد عائلتنا أن يجرّنا إلى حياة الخطيئة معه، فلا بدّ من رفض دعوته. وحين يحدث ذلك، غالبًا ما يُشعَر بهذا الرفض على أنه رفض للشخص نفسه، وينتج عنه انقسام أكبر. وخلاصة الأمر أنه لا يمكن أن نكون متحدين اتحادًا أصيلًا في الخطيئة أو في أي شكل من أشكال الكذب.

تأمّل اليوم في أعمق رغبة روحية لديك. إن كنت صادقًا مع نفسك، فستكتشف أن هذه الرغبة الأعمق في قلبك هي الرغبة في المحبة. لقد خُلقنا لنعطي المحبة ونتلقّاها. وتتحقق هذه الرغبة أولًا بانفتاحنا على محبة الله. وحين يحدث ذلك، سنتمكّن من مشاركة محبة الله مع الآخرين وتلقّي محبة الله منهم. وليس في الحياة ما يمكن أن يمنحنا ملء الإشباع أكثر من هذا.

أيها الرب الجزيل الرحمة، جئت لتوحّد جميع الناس في محبتك، ولكن حين تُرفض محبتك نعيش في الانقسام. أرجوك أن تأتي إليّ وتسكن في داخلي بملء أكبر، لكي يُنشئ حضورك في حياتي شركة روحية لا معك وحدك، بل أيضًا مع الذين يشتركون في هذه المحبة عينها. يا يسوع، إني أثق بك.


الكمال

الاثنين من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

«إن أردت أن تكون كاملًا، فاذهب وبع ما تملك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. ثم تعال واتبعني». فلما سمع الشاب هذا الكلام، مضى حزينًا، لأنه كان يملك أموالًا كثيرة. متى 19:21–22

هذه خاتمة الحوار الذي دار بين يسوع وشاب غني جاء إليه وسأله: «يا معلّم، أي خير يجب أن أعمل لأنال الحياة الأبدية؟» فأجابه يسوع بأن يحفظ الوصايا. وقال الشاب إنه حفظها منذ صباه، وأراد أن يعرف ماذا يمكنه أن يفعل أيضًا. فأجاب يسوع عن سؤاله، لكن الجواب كان فوق ما يستطيع الشاب أن يقبله.

«إن أردت أن تكون كاملًا، فاذهب وبع ما تملك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. ثم تعال واتبعني». هل تريد أن تكون كاملًا؟ إن كنت تريد ذلك، فإن يسوع قد وضع معيارًا عاليًا لهذا الهدف. يبدو أن كثيرين من أتباع المسيح يكتفون بأن يكونوا على حال مقبولة. وبعبارة أخرى، يبدو أنه من النادر أن نجد شخصًا يلتزم بالسعي إلى الكمال بكل قلبه. قد تكون لدى كثيرين نيات حسنة، لكن يبدو أن قليلين يلتزمون التزامًا كاملًا بكل ما يلزم لبلوغ الكمال الذي نحن جميعًا مدعوون إليه حقًا.

من اللافت أن جواب يسوع الأول لهذا الشاب الغني أوضح متطلبات الدخول إلى الحياة الأبدية، أي الحد الأدنى اللازم لبلوغ السماء. وببساطة، قال يسوع إنك إن امتنعت عن الخطيئة الجسيمة بحفظ الوصايا، فإنك ترث الحياة الأبدية. وهذا يفترض بالطبع أيضًا أنك قد نلت عطية الإيمان، ومن ثم فأنت منفتح على عطية الخلاص. فهل هذا ما تكتفي به؟ هل ترضى بأن تفعل الحد الأدنى اللازم لبلوغ السماء؟

قد تبدو لنا فكرة الكمال فوق طاقتنا. فكثيرًا ما نفكر: «أنا مجرد إنسان». ولكننا، بصفتنا بشرًا يدعوهم الله، مدعوون إلى العمل من أجل بلوغ هدف ممكن المنال، وهو مزيد من القداسة. ومع أننا سنظل دائمًا مقصّرين، فعلينا أن نسعى إلى أن نصير قديسين بقدر ما نستطيع، باذلين كل ما لدينا دون تحفظ.

مع أن الدعوة التي وُجّهت إلى هذا الشاب إلى أن «يذهب ويبيع ما يملك ويعطي الفقراء» ليست مطلبًا يفرضه ربنا على الجميع، فإنه يدعو بعض الناس إلى فعل ذلك حرفيًا. أما بالنسبة إلى سائر الناس، فالدعوة لا تزال قائمة، ولكن بمعناها الروحي لا الحرفي. إنها الدعوة الروحية إلى الفقر الداخلي بالروح. فكل واحد منا مدعو إلى التجرد الداخلي الكامل من التعلق بأشياء هذا العالم، حتى وإن احتفظ بممتلكاته. ويجب أن يكون ما نملكه وحده هو محبة الله وخدمة مشيئته. وهذا العمق من التجرد الروحي يعني أن الله ومشيئته المقدسة هما كل ما نرغب فيه في الحياة. ولو دعانا يومًا إلى التخلي حرفيًا عن كل شيء، لفعلنا ذلك من دون تردد. ومع أن هذا قد يبدو متطرفًا، فإنه في الواقع ما يعود علينا بأعظم فائدة. إنه السبيل الوحيد إلى أن نصير بشرًا بكامل إنسانيتنا، وإلى أن يصير كل واحد منا تمامًا الشخص الذي خُلق ليكونه. والمكافأة النهائية ليست بلوغ السماء فحسب، بل أيضًا مقدار من المجد في السماء يفوق الإدراك. فكلما ازددنا قداسة هنا على الأرض، عظم ثوابنا الأبدي في السماء. فلا تتردد في بذل كل ما تستطيع لتجمع ذلك الكنز الذي سيبقى معك إلى الأبد.

تأمل اليوم في الدعوة السامية إلى الكمال التي يوجهها الله إليك. واسأل نفسك بصدق تام إن كنت تكتفي بمجرد أن تكون على حال مقبولة، أم أنك تريد ما هو أعظم بكثير. هل تريد أعظم الغنى في السماء؟ هل تريد أن تكون أبديتك حياة تبقى فيها معك إلى الأبد الكنوز الروحية التي تجمعها الآن؟ لا تتردد في قبول هذه الدعوة السامية من يسوع. ودع دعوته لهذا الشاب الغني تتردد في قلبك بوصفها دعوة شخصية منه إليك أنت أيضًا. قل له «نعم»، واعلم أنك ستظل ممتنًا إلى الأبد لأنك فعلت ذلك.

يا ربّي المحب، لقد دعوت الشاب الغني إلى السعي نحو الكمال. وأنت تدعوني أيضًا، وتدعو جميع أبنائك، إلى هذه الدعوة المقدسة والسامية. هبني النعمة التي أحتاج إليها لأتجرّد من كل ما يعوق بلوغ هذا الهدف، لكي أجعلك أنت ومشيئتك المقدسة محور حياتي وغايتها الوحيدة. يا يسوع، إني أثق بك.


ثقب الإبرة

الثلاثاء من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

وأقول لكم أيضًا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أسهل من دخول غني ملكوت الله». فلما سمع التلاميذ ذلك، دُهشوا جدًا وقالوا: «فمن يستطيع إذًا أن يخلص؟» فنظر إليهم يسوع وقال: «هذا مستحيل عند الناس، أما عند الله فكل شيء ممكن». متى 19:24–26

بحسب أحد التقاليد، كانت عبارة «ثقب الإبرة» تشير إلى باب في سور أورشليم. ففي النهار، كانت هناك بوابة كبيرة مفتوحة يستطيع الجمل أن يعبر منها بسهولة. أما في الليل، فكانت البوابة الكبيرة تُغلق، وتبقى في وسطها فتحة أصغر تسمح للناس بالعبور. غير أن الجمل لم يكن يستطيع العبور من تلك الفتحة الصغيرة إلا إذا جثا على ركبتيه، وأُزيل الحمل عن ظهره، ثم زحف عبرها. وفي إشارته إلى هذه الرواية، يقول القديس أنسلمس إن «الغني لا يستطيع أن يسلك الطريق الضيق المؤدي إلى الحياة، حتى يطرح عنه عبء الخطيئة والغنى، أي بأن يكف عن محبتهما» (السلسلة الذهبية). فهل يمكن للجمل أن يدخل من «ثقب الإبرة»، وبالتالي للغني أن يدخل السماء؟ نعم. ولكن بشرط أن يجثو على ركبتيه، ويتواضع، ويتخلص من «أحمال» غناه.

قد يصعب على الأغنياء حقًا بخيرات هذا العالم أن يقرؤوا هذا المقطع الإنجيلي ويتأملوا فيه. فقد قيل في شأن الشاب الغني الذي سأل يسوع كيف يمكنه أن يدخل الحياة الأبدية. وكان جواب يسوع: «اذهب وبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء». وعند ذلك، مضى الشاب الغني حزينًا، لأنه كان متعلقًا بثروته بوضوح.

لكن تفسير يسوع الوارد أعلاه ينبغي أن يمنح الرجاء لكل من يجد صعوبة في تلبية هذا المطلب الرفيع. لقد اضطرب التلاميذ حقًا مما قاله يسوع، ولذلك أردف قائلًا: «هذا مستحيل عند الناس، ولكن كل شيء ممكن عند الله». كل شيء ممكن عند الله! ينبغي لكل من يعاني من التعلق المفرط بالغنى المادي أن يتأمل مليًا في هذه الحقيقة ويؤمن بها. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الإنسان قد يكون متعلقًا بالغنى حتى إن لم يكن يملكه. إن الرغبة في المزيد هي التعلق الذي يحتاج إلى التطهير، لا امتلاك الغنى في حد ذاته. فمن الممكن في الواقع أن يمتلك الإنسان أموالًا كثيرة من دون أن يتعلق بها إطلاقًا. وهذا هو جمال الفقر بالروح. لكن احذر من أن تتسرع في افتراض أنك قد بلغت الكمال في عيش هذه التطويبة. لقد قال يسوع عبارته الواردة أعلاه محبةً بمن يفرطون في التعلق بأمور هذا العالم. فإن كنت من هؤلاء، فارحم نفسك وأصغِ بانتباه شديد إلى كلمات يسوع، وانتبه إلى صراعك الداخلي في هذا الشأن.

تأمل اليوم في قول يسوع الواضح هذا الذي لا لبس فيه: «لأن يمر جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت الله». هل تؤمن بهذا؟ هل تستطيع أن تقبله؟ هل يخاطبك يسوع من خلال هذا المقطع؟ ومرة أخرى، حتى إن كنت فقيرًا ماديًا، فهل رغبتك في الغنى قوية؟ إن كان الأمر كذلك، فهذا المقطع ينطبق عليك أيضًا. دع هذا المقطع يستقر في قلبك بروح الصلاة، وحاول أن تكون صادقًا مع نفسك قدر استطاعتك وأنت تقرؤه. لا تتردد في اختيار غنى السماء الحقيقي بدلًا من أمور هذا العالم الزائلة. ففي النهاية، تفوق قيمة الغنى الروحي، بما لا يُقاس، قيمة كل ما تملكه خلال زمنك القصير هنا على الأرض.

يا رب الغنى الحقيقي، أنت ترغب في أن يمتلئ كل واحد منا بغنى روحي يفوق بلا حد كل ما يمكننا أن نناله في هذا العالم. أرجوك أن تحررني من تعلقي بالغنى المادي، لكي أعيش متحررًا من هذا العبء. ساعدني على أن أدرك قيمة كنوز نعمتك ورحمتك، وأن أجعل هذا الغنى الحقيقي محور حياتي الوحيد. يا يسوع، إني أثق بك.


التغلب على الحسد

الأربعاء من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

وخرج نحو الساعة الخامسة، فوجد آخرين واقفين، فقال لهم: «لماذا تقفون هنا طوال النهار بطالين؟» أجابوه: «لأنه لم يستأجرنا أحد». فقال لهم: «اذهبوا أنتم أيضًا إلى كرمي». متى 20:6–7

هذه كلمات تنم عن سخاء عظيم نطق بها صاحب الأرض. فكما يوضح المثل، استأجر صاحب الأرض هذا عمالًا لكرمه في الصباح الباكر، ثم عاد فاستأجر غيرهم عند الساعة التاسعة، وعند الظهر، وعند الساعة الثالثة، وأخيرًا عند الساعة الخامسة. لكنه في نهاية النهار دفع لهم جميعًا الأجر اليومي نفسه، كما لو أنهم جميعًا عملوا منذ الصباح الباكر. فاستاء الذين استأجرهم أولًا، إذ رأوا أنه ليس من العدل أن يتقاضى من عملوا ساعة واحدة فقط الأجر نفسه الذي تقاضوه هم. لكن صاحب الأرض ختم قائلًا: «وماذا لو أردت أن أعطي هذا الأخير مثلك؟ أوَلست حرًا في أن أفعل بمالي ما أشاء؟ أتحسدني لأني سخي؟» إن الله، في رحمته، سخي بما يفوق الإدراك. أما نحن، البشر الساقطين، فنظل نتفحص ما إذا كنا ننال نصيبنا العادل، ونقارن أنفسنا بالآخرين. ونميل إلى الرغبة في المزيد والمزيد، ونقع بسهولة في الحسد حين نرى الآخرين ينجحون أو ينالون بركات لا نملكها. فمثلًا، إن كان أحدهم أكثر شعبية منا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو يقود سيارة أجمل، أو يملك منزلًا أكبر، أو يقضي عطلة باهظة الكلفة، فكثيرًا ما نميل إلى ملاحظة أننا لا نملك ما يملكه، بشيء من الحزن. وهذا هو الحسد.

علاج الحسد هو السخاء من كل القلب. وليس السخاء بأموالنا فحسب، بل السخاء أيضًا بمشاعرنا وقدرتنا على الفرح بالبركات التي ينالها الآخرون. فمثلًا، لو أخبرك أحدهم أنه سيقضي الشهر المقبل عطلة جميلة في مكان طالما رغبت في الذهاب إليه، فكيف ستكون ردة فعلك؟ قد تقول مازحًا: «يا للروعة، أشعر بالغيرة!» ويمكن للغيرة أن تتحول سريعًا إلى حسد، وهو شكل من الحزن على ما لدى الآخر من بركات لا تملكها أنت. وهذا الحزن على بركات الآخر قد يتحول لاحقًا إلى غضب.

كان بوسع عمّال الكرم هؤلاء، الذين عملوا طوال النهار ونالوا المبلغ نفسه الذي ناله الذين لم يعملوا سوى ساعة واحدة، أن يهنّئوا العمّال الذين جاؤوا متأخرين، بل كان بإمكانهم أن يقولوا مازحين: «هنيئًا لكم، ليتني جئت عند الساعة الخامسة!» لكنهم بدلًا من ذلك تذمّروا وحاولوا أن يعترضوا على سخاء صاحب الكرم، قائلين: «هؤلاء الآخرون لم يعملوا إلا ساعة واحدة، وقد ساويتهم بنا، نحن الذين احتملنا ثقل النهار وحرّه». وهذا أيضًا حسد، إذ إن حزنهم على سخاء صاحب الكرم دفعهم إلى محاولة الحيلولة دون نيل الآخرين البركة التي أُعطيت لهم.

كلما لاحظت في داخلك هذا النوع من الحزن غير المقدّس، فتنبّه إليه. فهو يعني أنك تفتقر إلى السخاء المنزّه عن الأنانية تجاه الآخرين. وإن رأيت الله ينعم على آخر بغنى روحي، فحاول أن تفرح بذلك بسخاء. قدّم لله التسبيح والشكر على صلاحه. لا تنشغل بذاتك، وارفض كل تجربة تدعوك إلى المقارنة. فمن نواحٍ كثيرة، يمثّل كلًّا منّا أولئك الذين لم يعملوا سوى ساعة واحدة ونالوا أجر يوم كامل. وذلك لأننا لا نستطيع أبدًا أن نستحق نعمة الخلاص. فالسبب الوحيد الذي يجعلنا قادرين على نيل عطية الخلاص الأبدي وكل نعمة أخرى يمنحنا إياها الله هو أن الله سخيّ بلا حدود. لذلك، يجب أن يظل صلاح الله وسخاؤه محور اهتمامنا الدائم، وأن نفرح بهذا السخاء حين يُمنح لنا وحين يُمنح للآخرين أيضًا.

تأمّل اليوم في أي ميل لديك إلى الحسد. فكّر في البركات التي أُعطيت للآخرين ولم تُعطَ لك. وانظر بصدق إلى ردّ فعلك الداخلي تجاه ذلك، وصلِّ كي يمنحك الله عطية القدرة على أن تفرح بسخاء بتلك البركات. فكل بركة يمنحها الله يجب أن تكون سببًا لفرحنا، سواء أُسبغت علينا أم على الآخرين.

يا ربي الفائق السخاء، أنت تفيض ببركاتك على الجميع بوفرة فائقة. حين أرى كيف تبارك الآخرين، ساعدني على أن أنمّي في قلبي امتنانًا صادقًا لكل ما نالوه. ساعدني على أن أفرح حقًا بالطرق الكثيرة التي تبارك بها شعبك كله. حررني من الحسد، يا ربي الحبيب، لئلا تثقلني هذه الخطيئة القبيحة. يا يسوع، إني أثق بك.


دعوة من الآب

الخميس من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

«يشبه ملكوت السماوات ملكًا أقام وليمة عرس لابنه. فأرسل خدمه ليدعوا المدعوّين إلى الوليمة، فأبوا أن يأتوا». متى 22:2–3

الملك في هذا المثل هو الله الآب، والعرس هو الزواج بين المسيح والكنيسة. يدعو الآب كل واحد منّا إلى أن يكون عضوًا في الكنيسة وأن يدخل في اتحاد إلهي مع ابنه يسوع، فيدخل بذلك في حياة الثالوث الأقدس. لكننا نرى منذ البداية في المثل أن المدعوّين «أبوا أن يأتوا». ومع تتابع أحداث المثل، بذل الملك جهدًا أكبر في دعوة المدعوّين، لكنهم جميعًا ردّوا بإحدى طريقتين: «بعضهم تجاهل الدعوة وانصرف…» و«الباقون أمسكوا بخدمه، وأساءوا معاملتهم، وقتلوهم». ومن الواضح أن هذا لم يكن الردّ الذي كان يرجوه الملك السخي.

نرى في هذين الردّين مستويين من رفض الإنجيل موجودين في عالمنا اليوم، كما كانا موجودين في زمن يسوع. المستوى الأول من الرفض هو اللامبالاة. فكثير من الناس منشغلون جدًّا اليوم. ومن السهل أن ننهمك في أمور كثيرة لا أهمية كبيرة لها في نهاية المطاف. فكثيرون تستغرقهم هواتفهم الذكية وحواسيبهم وأجهزتهم اللوحية. وكثيرون يقضون ساعات لا تُحصى في مشاهدة التلفاز. وآخرون يصبحون مدمنين على العمل، فيقضون معظم وقتهم في مهنتهم، ولا يتركون إلا وقتًا قليلًا لما هو أهمّ، مثل العائلة والصلاة والخدمة. ونتيجة لذلك، من السهل جدًّا أن نصبح غير مبالين بأمور الإيمان، وأن نهمل الصلاة كل يوم سعيًا إلى معرفة مشيئة الله وإتمامها. وهذه اللامبالاة أمر بالغ الخطورة.

هناك أيضًا رفض للإيمان في عالمنا يتجلّى في عداء متزايد للكنيسة والأخلاق. وثمة طرق كثيرة يواصل بها العالم العلماني ترويج ثقافة تناقض الإنجيل. وحين يجهر المسيحيون بموقفهم ويعارضون هذه التوجّهات الثقافية الجديدة، يُدانون وغالبًا ما يُوصَفون بأنهم متحيّزون أو يدينون الآخرين. وقد أظهر مثل هذا الخبث المدعوّون في هذا المثل الذين «أمسكوا بخدمه، وأساءوا معاملتهم، وقتلوهم». ويبدو أن العداء للكنيسة والإيمان والمبادئ الأخلاقية الواضحة التي وضعها الله يتزايد عامًا بعد عام. وهذا الشكل من رفض الإنجيل أشدّ ضررًا من مجرد اللامبالاة المذكورة أعلاه. ففي مثل اليوم هذا، يقول يسوع إن الملك، ردًّا على أولئك الذين أبدوا اللامبالاة والعداء، «أرسل جنوده، وأهلك أولئك القتلة، وأحرق مدينتهم».

لا ينبغي أن نقرأ هذا المثل بطريقة تجعلنا ننظر إلى الآخرين وندينهم، وكأننا نحن الملك ولنا الحق في ذلك. فليس لنا هذا الحق، بل لله وحده. وإنما ينبغي أن نقرأ هذا المثل من منظور حياتنا الشخصية. ونرجو ألّا تكون من الذين يعادون الإنجيل. لكن لعلّك، مثل كثير من المسيحيين الآخرين، تكافح الشكل الأول من الرفض: اللامبالاة. فمن السهل أن نصبح غير مبالين بطرق شتى وعلى مستويات مختلفة كثيرة. ونقيض اللامبالاة هو أن نهتم، وأن نهتم اهتمامًا عميقًا بالذهاب إلى وليمة العرس حين نُدعى إليها.

تأمل اليوم في وليمة العرس التي أنت مدعو إليها. أنت مدعو إلى الدخول في الاحتفال المجيد بالاتحاد بمخلّص العالم. أنت مدعو إلى تسليم حياتك له بلا تحفّظ. أنت مدعو إلى القداسة، والاستقامة الأخلاقية، والأمانة الراسخة لله، وخدمة الآخرين، والمحبة التي لا تعرف حدودًا، وإلى ما هو أكثر من ذلك بكثير. إن الدخول إلى وليمة عرس الحمل أمر ينبغي أن يتحقق كل يوم وفي كل لحظة من يومك، طوال ما تبقى من حياتك. الله يدعوك. فهل ستقول «نعم» بكل كيانك؟

يا ربي الذي يدعونا إليه، أنت ترغب في أن يقبل جميع الناس قبولًا تامًا الدعوة التي وجهتها إليهم ليصيروا واحدًا معك من خلال الزواج الروحي. أنت تدعونا إلى وليمة العرس المجيدة والفرح الأبدي. ليتني لا أقابل دعوتك أبدًا باللامبالاة، بل أستجيب لها دائمًا بكل قلبي. أحبك، يا ربي الحبيب. ساعدني على أن أحبك أكثر فأكثر. يا يسوع، إني أثق بك.


المحبة في المواقف الصعبة

الجمعة من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

«أحبب الرب إلهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل ذهنك. هذه هي الوصية العظمى والأولى. والثانية مثلها: أحبب قريبك كنفسك». متى 22:37–39

نحن نعرف جيدًا هذا المقطع الوارد أعلاه. إنه جواب يسوع للفريسيين الذين جاؤوا ليمتحنوه. وقبل ذلك، حاولت جماعة من الصدوقيين أن توقع يسوع في فخ، لكنها أخفقت. وها هم الفريسيون الآن يبذلون قصارى جهدهم ليوقعوا ربنا في فخ. وبالطبع، كان جواب يسوع كاملًا. وبعد أن أنهى جوابه، قابل يسوع أسئلتهم بأسئلة وجّهها إلى الفريسيين، فلم يستطيعوا الإجابة عنها، ولم يجرؤوا حينئذ على أن يسألوه أي سؤال آخر.

أحيانًا، يفيدنا أن يتحدانا شخص آخر في مسائل الإيمان، لأن ذلك يتيح لنا أن نوضح ما نؤمن به حقًا. ومع أن يسوع لم يكن بحاجة إلى هذا الوضوح لنفسه، فقد قدّمه في مواجهة المكر، لكي يساعد الفريسيين وأتباعه الذين كانوا يصغون بانتباه على السواء.

هل سبق أن تحداك أحد في مسائل الإيمان؟ إن كان الأمر كذلك، فكيف كان ردك؟ هل استطعت أن تجيب بالإلهام والوضوح اللذين يمنحهما الروح القدس؟ أم انصرفت مرتبكًا وعاجزًا عن الرد؟ إن تعرّض إيماننا لتحدي شخص آخر سيؤدي إما إلى ارتباكنا وإما إلى تعميق فهمنا.

حين أجاب يسوع عن هذا السؤال على النحو الذي أجاب به، عرض الشريعة كلها، التي أُعطيت على يد موسى في الوصايا العشر، بطريقة جديدة وموجزة. فالوصايا الثلاث الأولى من الوصايا العشر تتعلق بمحبة الله، والسبع الأخيرة تتعلق بمحبة القريب. والوصية الثانية التي يعطيها يسوع، «أحبب قريبك كنفسك»، هي نتيجة للوصية الأولى. كيف «تحب نفسك»؟ تفعل ذلك بإتمام الوصية الأولى التي أعطاها يسوع: «أحبب الرب إلهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل ذهنك». وحين تحب الله فوق كل شيء، فإن محبة قريبك تعني ببساطة أن تحب الله الساكن في قريبك، وفقًا للطريقة التي يحب بها الله هذا القريب.

ومن المفيد أيضًا أن نلاحظ أنه من الممكن أن «نحب» قريبنا بطريقة تناقض محبة الله. فمثلًا، إذا عبّرنا عن محبتنا للقريب بطريقة تناقض محبة الله، فهذه ليست محبة حقيقية. لنفترض أن قريبك اختار نمط حياة يتعارض تعارضًا جسيمًا مع الأخلاق. كيف تحبه بمحبة الله؟ لا تقول له: «أنا أساندك في عيشك المنافي للأخلاق». ففعل ذلك ليس محبة لله؛ بل هو شكل أناني من المحبة يهتم بكيفية رد هذا الشخص عليك أكثر مما يهتم بنفسه الخالدة. والطريقة الصحيحة لمحبة من ضلّ في سلوك منافٍ للأخلاق من الناحية الموضوعية هي أن تدعه يعرف أنك تحبه، لكنك لا تؤيد الخيارات التي يتخذها. ومع أنه قد يستجيب لذلك استجابة سلبية، فلا بد أن يتقدم الاهتمام بخلاصه الأبدي على كل رغبة في مجرد الحفاظ على الوئام معه.

قد تكون محبة القريب صعبة أحيانًا، ولا سيما حين يكون هذا «القريب» فردًا من العائلة قد ابتعد عن الله. ولكن حين تصعب عليك، فكّر في الطريقة التي حاول بها الصدوقيون والفريسيون مرارًا أن يوقعوا يسوع في فخ. فقد كان يجيب دائمًا جواب المحبة الكامل، ولم يسمح قط لحديثهم الضال بأن يخلّف ارتباكًا. وهكذا نحن أيضًا، يجب أن نتكل على حكمة الله ومحبته حين تصعب علينا محبة شخص آخر. ولا بد أن يقود الله كل حديث لنا في هذه الحالة، لكي يعرف الآخر أنه محبوب، ولكي لا تحيد محبتنا عن محبة الله النقية.

تأمل اليوم في الدعوة السامية التي أُعطيت لك: أن تحب الله فوق كل شيء، وأن تحب قريبك بالمحبة نفسها التي تكنّها لله. إن وجدت صعوبة في محبة شخص ما، فصلِّ طالبًا الحكمة التي تحتاج إليها لتبقى أمينًا له في محبة الله وحدها. وإن وجدت أن محبتك تتعرض للتحدي، فاتكل على ربنا ليقودك ويمنحك الكلمات التي تحتاج إليها حين تكون في أمسّ الحاجة إليها.

يا ربي المحب، أنت تحب جميع الناس محبة كاملة، وتدعونا جميعًا إلى أن نحبك بكل قلبنا ونفسنا وفكرنا. وتدعونا إلى أن نحب الآخرين بالمحبة التي تكنّها لهم. املأ قلبي بمحبتك ومحبة جميع الناس، ولا سيما أولئك الذين يصعب عليّ أن أحبهم أكثر من غيرهم. امنحني الحكمة، يا ربي الحبيب، لأعرف كيف أحب الآخرين فيك، لكي يختبروا محبتك الكاملة في حياتهم. يا يسوع، إني أثق بك.


التواضع… الطريق إلى العظمة

السبت من الأسبوع العشرين من الزمن العادي

«ليكن أكبركم خادمًا لكم. فمن يرفع نفسه يُوضَع، ومن يضع نفسه يُرفَع». متى 23:11–12

لو أردت أن ترسم لنفسك مستقبلًا مثاليًا، فكيف سيكون؟ تخيّل أنك غير مقيّد بميزانية أو موارد. تخيّل أن بإمكانك أن تختار فعل كل ما تريد، والذهاب إلى أي مكان تريد، والاستمتاع بأي نشاط ترغب فيه. تخيّل أعظم تجربة يمكن أن تعيشها. ماذا ستكون؟ سيفكر معظم الناس على الفور في الانغماس في أعظم الملذات التي يمكن تصورها: حياة في أفخم أماكن الإقامة، وأطيب الطعام، وأجمل المناظر، وأوقات هي الأكثر راحة ومتعة على الإطلاق. ولكن هل سيكون ذلك حقًا «المستقبل المثالي لك»؟

المقطع الإنجيلي أعلاه واضح جدًا. فالعظمة تكمن في الخدمة، ولا تتحقق الرفعة إلا بالتواضع. هل نمط الحياة المثالي هو ذاك المليء بالانغماس في الملذات والترفيه والترف وما شابه ذلك؟ بالتأكيد لا. فالحياة المثالية، والأعظم، والأسمى هي حياة خدمة الآخرين بأقصى ما يمكن من التواضع. هذا، في جوهره، ما يقوله لنا يسوع في هذا المقطع. فهل تؤمن بذلك؟

لاحظ أن يسوع يستخدم كلمتي «الأعظم» و«يجب» في الجملة نفسها. وكلتا الكلمتين حاسمتان تمامًا. فلا أحد أعظم من «الأعظم»، والطريق إلى تلك العظمة يقتضي، دون استثناء، أن يكون الأعظم خادمًا لجميع الآخرين. وهذه الحقيقة تتحدى، من نواحٍ كثيرة، معظم التصورات البشرية للعظمة. ففي أغلب الأحيان، إذا عُدَّ شخص ما «عظيمًا»، خدمه الناس وعاملوه بإكرام واحترام لا يحظى بهما معظم الناس. فمثلًا، لو استضفت في منزلك شخصًا ذا أهمية كبيرة لتناول العشاء، فمن المرجح جدًا أن تقوم بخدمته. وبالطبع، فإن الخدمة في هذا السياق تتجاوز بكثير خدمة الموائد أو تقديم وجبة. ومع أن ذلك طريقة مباركة لخدمة الآخرين والتعبير عن المحبة، فإن مفهوم يسوع للخدمة يتجاوز هذا بكثير. كيف نخدم بوصفنا أشخاصًا عظماء حقًا؟ نفعل ذلك، على نحو خاص، بأن نتواضع. فالتواضع هو أعظم خدمة يمكننا أن نقدمها للآخر.

كان يسوع، بلا شك، أكثر من عاش على الأرض تواضعًا. وأمه وحدها شاركته مشاركة كاملة في هذه الفضيلة المقدسة. فالتواضع يمكّن الإنسان من التحرر من كل نزعة أنانية وتوجيه محبته نحو خير الآخر. وهذا ما فعله يسوع أولًا بتجسده في حشا أمه الحبيبة. فابن الله الأزلي لم يصر إنسانًا لأن ذلك عاد عليه، بطريقة ما، بمنفعة تتمحور حول ذاته. بل فعل ذلك لأنه أحبنا، ولأن تجسده عاد علينا بالخير. ولم يسمح ابن الله للآخرين بأن يهزأوا به ويسخروا منه، وفي النهاية يقتلوه، لأن ذلك عاد عليه بمنفعة ما. بل فعل ذلك لكي يدخل الموت ويبيده، فنستطيع أن نقوم معه. لقد فعل ذلك من أجلنا. ويمكننا أن نتأمل كل مقطع من الأناجيل فنرى أن كل ما فعله يسوع كان من أجل الآخرين، ولم يكن قط بدافع رغبة أنانية. وهذه الخدمة الباذلة للذات، التي قدمها ربنا كل يوم، كانت ثمرة التواضع المذهل الذي عاشه. فقد فعل يسوع كل ما فعله بدافع محبته للآخرين، وبتواضع، لكي يحمل الخلاص والتحول إلى نفوسهم الأبدية.

علينا في حياتنا أن نتخذ خيارًا أساسيًا: هل سأعيش لنفسي؟ أم سأعيش من أجل الآخرين؟ يبدو أن قليلين جدًا يعيشون بالكامل من أجل الآخرين. فمن الصعب أن نصرف أنظارنا عن أنفسنا ونوجهها فقط نحو خير الآخرين. ولكن إذا أدركنا أن العيش من أجل الآخرين هو أيضًا الطريق إلى عظمتنا ورفعتنا النهائية، يصبح الأمر أسهل بكثير. إن خدمة الآخرين، ولا سيما على نحو روحي تبذل فيه كل ما تستطيع لمساعدتهم على مزيد من القرب من الله، هي ما سيجعلك عظيمًا. ولا شيء آخر يستطيع أن يحقق ذلك. آمن بهذا وعشه.

تأمل اليوم في حياة العظمة الحقيقية. وتأمل، على نحو خاص، في كيفية عيشك مثل هذه الحياة. كيف يمكنك أن تخدم الآخرين بصورة أكمل؟ كيف يمكنك أن تجعل قداستهم هدفك الأول؟ كيف يمكنك أن تساعد الآخرين على النمو في محبتهم لله؟ تواضع، واصرف نظرك عن نفسك إلى الآخرين. فبذلك ستُحدث فرقًا أبديًا في حياة الآخرين وفي حياتك أنت أيضًا.

يا ربي المتعالي، أنت متعالٍ فوق الجميع بما لا يقاس. أنت العظمة ذاتها. لقد كانت الحياة التي عشتها، يا ربي الحبيب، حياة اتسمت بأسمى درجات التواضع. لكنك في هذا التواضع أتممت خلاص العالم. ساعدني على الاقتداء بعظمتك بأن أجعل خدمة الآخرين رسالتي الأساسية في الحياة. أحبك، يا ربي. ليتني أحب الآخرين وأخدمهم معك. يا يسوع، إني أثق بك.

جدول المحتويات


المجلدات الأربعة جميعها متاحة بطبعة ورقية بغلاف مرن & بصيغة كتاب إلكتروني!

Amazon – Google Play – iTunes – Barnes and Noble