كُفّ عن ذلك!
يحمل هذا الفصل بشرى سارة للذين يواجهون صراعات معيّنة. وتحديدًا، إذا كنت ممن يميلون إلى الاستغراق القهري في أفكارهم، أو الإفراط في التحليل، أو التصرّف بدافع الوسواس الضميري، أو إرهاق أنفسهم بمحاولة العيش بحسب مشيئة الله، فهذا الفصل موجّه إليك على نحو خاص! ومن الرسائل البسيطة والمباشرة التي يمكن استخلاصها منه: «كُفّ عن ذلك!» كُفّ عن الإفراط في التفكير. كُفّ عن الإفراط في التحليل. كُفّ عن إيقاع نفسك في قلق لا داعي له بشأن الأمور الروحية. كُفّ عن الاستسلام للوسواس الضميري. وكُفّ عن التفكير في نفسك إلى هذا الحد!
هذا مهم لأن الساعين إلى الكمال الروحي ينتهون أحيانًا إلى بذل جهد مفرط، في حين أنهم يحتاجون، في الحقيقة، إلى التخفيف من جهدهم والكفّ عن تحميل أنفسهم أعباء روحية وعقلية وعاطفية مفرطة. وأحيانًا، كل ما يحتاجون إليه هو أن يثقوا بالله أكثر ويعتمدوا على أنفسهم أقل.
كذلك، سيعرض هذا الفصل فضائل الإيمان والرجاء والمحبة كما يفيضها الله في النفس من خلال صلاة المشاهدة. وسيساعد فهم هذه الفضائل المفاضة على إيضاح الكيفية التي تستطيع بها النفس أن تهيّئ ذاتها على النحو الملائم لتقبّلها بملء أكبر. وانطلاقًا من ذلك، سيعرض لنا هذا الفصل الخطوة التالية من التطهير اللازم للكمال: ليل الروح الفاعل.
نظرة عامة
في هذه المرحلة من النمو الروحي، عليك أن تهيّئ نفسك لتلقّي صلاة المشاهدة المفاضة المستديمة، بدلًا من العودة إلى صلاة التأمل السابقة، لأنك تحتاج إلى أكثر مما يمكن أن يقدّمه التأمل والتفكّر والتفكير والاستدلال العقلي. إنك تحتاج إلى الله في صفائه المحض. ولا يمكن ذلك إلا بالسماح للمشاهدة المفاضة بأن تصبح حالة راسخة. ومع أن هذه المشاهدة المفاضة لن تبلغ الكمال والرسوخ إلا في المرحلة التالية من النمو الروحي، أي في ليل الروح المنفعل، فلا بد للنفس من أن تبدأ بالتهيّؤ أكثر لهذه الصلاة خلال هذه المرحلة من ليل الروح الفاعل.
سبق أن تحدّثنا عن كيف تطهّر صلاة المشاهدة النزعات الروحية الحسية، فتحرّر الإنسان من الخطايا الروحية (كالكبرياء الروحي، والشراهة الروحية، والكسل الروحي، وما إلى ذلك)، وتملأ النفس بفضائل لا تُحصى. والآن علينا أن نرى كيف ينبغي للمشاهدة المفاضة أن تواصل نموّها وتُصلح العقل والذاكرة والإرادة إصلاحًا كاملًا. فالمعرفة الجديدة التي يمنحها الإيمان المفاض تواصل نموّها، والرجاء المفاض يمنح الحياة اتجاهًا جديدًا على نحو أكمل، والمحبة المفاضة تقوّي حبًّا جديدًا لله والقريب.
لا تكفي التشبيهات أبدًا لتقديم صورة واضحة، لكن لنستخدم أحدها في محاولة لإيضاح هذا التغيّر. لنفترض أنك تدرس لتصبح ممرّضًا. تقضي سنواتك الثلاث الأولى في الدراسة في الصف وفي المنزل، فتتعلّم كل ما يتعلّق بالتمريض. وتتعلّم مصطلحاته ونظرياته، وأكثر من ذلك بكثير. لكن تعلّم ما يتعلّق بالتمريض لا يمكن أن يجعلك ممرّضًا. لذلك، في سنتك الأخيرة من دراسة التمريض، تبدأ تدريبًا عمليًا وتؤدّي بالفعل عمل الممرّض. وكل ما تعلّمته في الدراسة يساعدك، لكن ممارسة عمل الممرّض فعليًا هي التي تجعل ذلك واقعًا. فهناك معرفة جديدة تُكتسب من خلال ممارسة التمريض. ومع أن دروسك السابقة قد ساعدت على إعدادك لهذه المرحلة، فإنك، ما لم تكن مستعدًا للتعلّم بطريقة جديدة، من خلال الخبرة العملية، ستظل إلى الأبد ممرّضًا «نظريًا» لا ممرّضًا حقيقيًا.
وهكذا هي الحال في هذه المرحلة الجديدة من النمو الروحي. فكل ما تعلّمته حتى الآن في نموّك الروحي ذو قيمة كبيرة. لكنه لا يكفي للدخول في اتحاد كامل بالله. وما عليك فعله الآن هو أن تقبل، إن صحّ التعبير، «التدريب أثناء العمل»، الذي سيتمّ من خلال المشاهدة المفاضة المتواصلة. فلا بد أن يصبح في روحك عمق جديد من الإيمان والرجاء والمحبة، حاضرًا حضورًا راسخًا وبالغ الغور. ولا بد لمواهب الإيمان والرجاء والمحبة التي نلتها من قبل أن تتعمّق وتتطهّر وتتحوّل. ويحدث هذا فيما تتعلّم أن «تصلّي دائمًا» وتنقاد لروح الله في كل ساعة من النهار، وفي كل يوم من الأسبوع! ومتى أصبحت المشاهدة المفاضة حالة راسخة دائمة (خلال ليل الروح المنفعل)، ستُجتذب إلى أعماق الزواج الروحي مع الله، أي الاتحاد الإلهي.
لكي تتيح للإيمان والرجاء والمحبة أن تُفاض على نحو راسخ في عقلك وذاكرتك وإرادتك، من الضروري أن تفهم حقيقة ما هو مفاض من إيمان، ومفاض من رجاء، ومفاض من محبة، وكيف يمنحك الله إياها في أصفى صورها. وخلال ليل الروح الفاعل، تهيّئ النفس ذاتها لهذه المواهب بإزالة مختلف العوائق التي تحول دون تلقّي هذه الفضائل الثلاث المفاضة. وفيما يلي، سننظر إلى ما يحدث حين تُفاض هذه الفضائل الثلاث في النفس، ثم ننظر إلى الجانب الفاعل من هذه العملية، أي ما يمكنك فعله للمساعدة على حدوثها.
الإيمان المفاض النقي والعقل
في البداية، حين تمرّ النفس بتوبة أولى وتبدأ في عيش حياة مسيحية مستقرة، تتعلّم الكثير عن الله. وعملية اكتشاف حقائق كثيرة عن الله تبعث فيها الحماسة والإلهام والتعزية والتشجيع. وفيما يصلّي الإنسان ويتأمل في الحقائق التي كشفها الله، تُذكي الاكتشافات الإيمانية الداخلية الجديدة حماسة كبيرة للمسيرة المسيحية مع المسيح. وتبدأ النفس بتغيير حياتها، وتجتاز أولى مراحل التجرّد من الخطايا المعتادة والتعلّقات الدنيوية، وتسمح لعلاقتها الجديدة بالله بأن تمنح حياتها الاستقرار والوضوح.
غالبًا ما تدوم هذه المرحلة من النمو الروحي سنوات عديدة. ويتعلّم المسيحي أن يكون متجردًا من الأنانية، ومهتمًا بالآخرين، ومبشّرًا، وأمينًا، فيقوم بأمور كثيرة من أجل الله والآخرين. ويصبح ملمًّا إلمامًا عميقًا بتعاليم المسيح والكنيسة، وبالأناجيل وسِيَر القديسين.
تُسمّى هذه المرحلة من النمو الروحي تقليديًا «طريق الاستنارة»، وهي نمط حياة مستقر ومريح جدًا. وفي هذه الحالة، إذ يبدأ الله بدعوة النفس إلى مزيد من العمق، ويواصل الشخص اكتشاف أن الصلاة لم تعد تمنحه التعزية كما كانت في البداية، تكون المثابرة أساسية. وإذ تمضي النفس قُدمًا عبر تلك الفترات، تزداد قوة والتزامًا بالله. وفقدان التعزية الروحية يمكّن النفس من أن تصلّي وتؤمن بالله، لا لأنها تشعر برغبة في ذلك، بل لسبب أعمق بكثير. وتتنقّى معرفة النفس بالله إذ يغدو الإيمان مفاضًا من الله بصورة أكثر مباشرة.
إن أوضح علامة على تعمّق علاقة النفس بالله هي الجفاف الذي تختبره في الصلاة وفي مثابرتها على أعمال المحبة. وقد تجد أيضًا أن إيمانها يبدأ بالتحوّل من إيمان شديد الوضوح والحرارة إلى إيمان أكثر غموضًا بعض الشيء وأقل حرارة. وذلك لأن الإيمان ينتقل من معرفة عن الله إلى معرفة بذات الله نفسه. وإذ تُفاض موهبة الإيمان في العقل، يبدأ باكتشاف أن الله يتجاوز ما يستطيع إدراكه. فالله ليس لغزًا يمكن «حلّه». وتبدأ معرفة النفس السابقة بالجوانب العديدة لحياة الله تصير أقل وضوحًا شيئًا فشيئًا، وأقل اعتمادًا على الصور، وأقل تحديدًا، وأقل حسّية. وبدلًا من ذلك، تبدأ النفس بتلقّي معرفة أكثر عمومية بالله نفسه على المستوى الروحي، لكنها معرفة أكثر يقينًا من ذي قبل، لأنها تُفاض مباشرة من الله، لا من خلال استخدام مفاهيم أو أفكار مكتسبة عن طريق الحواس. ونتيجة لذلك، تنمو النفس في الثقة وتبلغ فهمًا أوسع بكثير لله. غير أن هذه المعرفة لا تستطيع النفس شرحها كما كانت تفعل من قبل، باستخدام المفاهيم والصور الحسّية.
وذلك لأن العقل البشري لا يستطيع أن يفهم الله فهمًا كاملًا باستخدام الاستدلالات العقلية. لذلك، حين تبدأ بمعرفته معرفة أعمق، ستمرّ فعلًا بخبرة تشعر فيها وكأن معرفتك به صارت أقل وضوحًا. وكلما ازددت معرفة بالله اللامتناهي، ازددت إدراكًا أنه هو اللامتناهي، الذي لا يُحاط به فهمًا ولا معرفة، وأنه عجيب بما يتجاوز كل ما يمكنك سبره. وهذا الاكتشاف لله بطريقة جديدة وأكثر نقاءً يجعل النفس متواضعة، وتكون المعرفة، وإن كانت أعظم، أكثر غموضًا في الواقع. لذلك يقول القديس يوحنا إن الإيمان يُحدث نوعًا من «الظلمة» في العقل. وليس ذلك بمعنى سلبي، بل في اكتشاف متواضع للّامتناهي.
للتوضيح، تخيّل أنك أردت أن تتعلّم عن الشمس. ولهذا الغرض، تجعل حدقتَي عينيك تتّسعان كي تتمكّن من استقبال مزيد من ضوء الشمس. ثم تخرج في يوم شديد الإشراق وتحاول أن تقضي ساعة تحدّق مباشرة في الشمس. فماذا ستكون نتيجة مثل هذه التجربة؟ ستُصاب بالعمى. فحدقتا عينيك لا تستطيعان استيعاب سطوع الشمس في صفائه. إنه يفوق طاقتهما بكثير.
وهكذا هي الحال مع العقل البشري. فإذ تُدرك الله على نحو أكثر صفاءً، نتيجة إفاضته مباشرة معرفة ذاته في عقلك من خلال التأمل المفاض، يُصاب عقلك بالعمى والظلمة وتغمره رهبة سرّ الله اللامتناهي. لكن ما ينبغي فهمه هنا هو أن التأمل المفاض في الله، بخلاف التحديق مباشرة في الشمس، لا يضرّ عقلك، بل ينيره ويضيئه ويقوّيه. غير أن خبرة الإيمان المفاض هذه تُلقي بظلمة على كل معرفة سابقة عن الله، لكي تتمكّن من البدء بمعرفة الله نفسه.
ولنواصل هذا التشبيه، تخيّل أنك مُنحت نعمة خاصة تتيح لك حقًا أن تلتقي بكامل بهاء الشمس بطريقة جديدة. تخيّل أن حرارتها لا تؤذيك وأن سطوعها لا يعميك. ثم تخيّل أنك تستطيع الانتقال إلى الشمس لتراها وتلمسها عن قرب. فتدرس بقعها المختلفة، وتدخل إلى صميم مركزها، وتفحص كل ما يتعلّق بها. كم سيكون ذلك مدهشًا! وهذا ما يريد الله أن يفعله معك! إنه يريدك أن تلتقي به في صفائه. ولكن لكي يحدث ذلك، لا بدّ أن يتحوّل عقلك الطبيعي حتى تتمكّن من معرفة جوهر الله ذاته. وهذا يستغرق وقتًا. لكنك ستدرك أنك تعرف الله بمزيد من اليقين، فيما تكون هذه المعرفة، في الوقت نفسه، أكثر عمومية وأقل تحديدًا، وتختبرها بوصفها إظلامًا لكل معرفة سابقة.
الرجاء النقي المفاض والذاكرة
إن الأشخاص الذين انتقلوا من حال المبتدئين إلى حال المتقدّمين، ويعيشون الآن في طريق الاستنارة، تكون لديهم ذكريات رائعة كثيرة عن الله في صورة مفاهيم روحية. وتكون لديهم ذكريات كثيرة عن كل ما صنعه الله في حياتهم. وذكرياتهم عن كل ما تعلّموه واختبروه ورجوه واكتشفوه تؤثّر تأثيرًا كبيرًا في هويتهم، وتكون جزءًا لا يتجزّأ من شخصيتهم الإنسانية.
إلى جانب ما لديهم من ذكريات طيّبة وروحية كثيرة عن الله والصلاة وخبراتهم في الحياة المسيحية، يحمل كل شخص ذكريات طبيعية أخرى كثيرة، بل وذكريات خاطئة أيضًا. فما مضى من جراح وأفراح وأتعاب وعلاقات وأنشطة وما إلى ذلك، يترك في الذاكرة خبرات لا تُحصى. بعضها طيّب، وبعضها الآخر ليس بطيّب إلى هذا الحد.
لذاكرتنا تأثير مباشر في رجائنا. ويوضح القديس يوحنا أن الرجاء يركّز على ما لا نملكه. ولذلك، يمضي في الشرح قائلًا إننا كلما ازددنا «امتلاكًا» داخل ذاكرتنا، قلّ رجاؤنا في الله. وكلما ازداد ما نتشبّث به ونستعرضه ونتأمّله ونفكّر فيه بطريقة أرضية، قلّت قدرتنا على أن يكون لنا رجاء نقي في الله.
حين تكون ذكرياتنا حية ونشطة جدًا، يستند رجاؤنا إلى أمور كثيرة تعلّمناها عن الله والحياة، خيرًا كانت أم شرًا، على مر السنين. وحين نكون قد تعلّمنا أن الله أمين وأنه يقودنا عبر الأوقات الصعبة، قد يسهل علينا أن نثق به عندما تنشأ شدائد جديدة. وفي هذه الحالة، يستند رجاء الإنسان إلى خبرته السابقة بأمانة الله في حياته. وهذا أمر جيد للمبتدئ، لكن المخاطر ستظهر في نهاية المطاف مع سعي النفس إلى الكمال.
وفوق ذلك، حتى المتقدم في الحياة الروحية، الذي مرّ بخبرات طبيعية أخرى كثيرة، وبخبرات خاطئة أيضًا، كثيرًا ما يتعرض لتجربة العودة إلى التأمل في تلك الخبرات مرارًا وتكرارًا. وهكذا، يشرح القديس يوحنا أن الذاكرة، في ليل الروح الفاعل، وبدرجة أكبر في ليلها المنفعل، لا بد أن تمر بعملية «نسيان»، حتى لا تعود «تمتلك» جميع خبراتها الماضية، سواء أكانت خطايا أم خبرات طبيعية أم حتى روحية.
قد يسهل على كثيرين أن يقبلوا نسيان الشرور وخبرات الحياة الدنيوية بوصفه هدفًا حكيمًا. فمن الواضح أن كثيرًا من تلك الذكريات يقود إلى الغضب والانقسام والتفكير القهري وخطايا أخرى وما شابه ذلك. بل إن بعضهم يهدر قدرًا هائلًا من الوقت والطاقة في الاستغراق في الماضي.
ولكن ماذا عن «نسيان» الخبرات الروحية الطيبة في حياة الإنسان؟ لماذا يكون ذلك حكيمًا؟ يشرح القديس يوحنا أنه كما يقود الإيمان المفاض النفس إلى الانتقال من معرفة الكثير عن الله إلى معرفة أنقى بـالله، كذلك يكون للرجاء المفاض أثر مماثل في الذاكرة. فعندما يُفاض الرجاء إلهيًا في ذاكرة الإنسان، لا تعود النفس تعتمد على جميع خبراتها السابقة ومعرفتها بالله أساسًا لرجائها. ولا تعود مضطرة إلى ابتكار أفكارها «الجيدة» الخاصة للمستقبل. بل تبدأ النفس فجأة في التمتع بما هو أفضل. إنها تتلقى التوجيه من الله نفسه بدلًا من أن تستمده من عملية استدلالها العقلي القائمة على الأفكار والخبرات الماضية. وإذ تتخلى الذاكرة عن امتلاك هذه الأفكار الروحية، تصبح «فقيرة»، إن صح التعبير. ولكن في هذا الفقر وحده يمكن أن يولد الرجاء. فالرجاء يتجه إلى ما لا يمتلكه الإنسان، وإلى ما لا يراه. «الإيمان هو تحقق ما يُرجى والبرهان على أمور لا تُرى» (العبرانيين 11:1).
قد يبدو غريبًا أن يكون أثر الرجاء المفاض هو أن يجعل النفس تبدأ في نسيان جميع أفكارها السابقة عن الله، وما سبق لها من بصائر وكشوف وخبرات وأشكال أخرى من المعرفة عن الله. ولكن ما لم تبدأ المعرفة عن الله في التلاشي وتكفّ عن أن تكون أساسًا للرجاء، فإن الرجاء المفاض النقي، أي ما لا نراه، لا يستطيع أن يساعد على توجيه النفس نحو مشيئة الله المجهولة على أكمل وجه.
لهذا السبب ذُكر في بداية هذا الفصل أن الذين يفرطون في التحليل والتفكير، ويتصرفون بدافع الوسواس الضميري، ويجدون أنفسهم قلقين بشأن أمور كثيرة، تنتظرهم أخبار سارة. والخبر السار هو أنهم يستطيعون أن يتوقفوا عن محاولة فهم كل شيء. ويمكنهم أن يبدأوا بالتخلي عن تعلقهم بجميع الذكريات الماضية التي تضرّ بهم ولا تنفعهم في مسيرتهم نحو الاتحاد بالله. فثمة أمور كثيرة نتعرض لتجربة استذكارها، مع أن الأفضل نسيانها. وحتى الأنشطة اليومية العادية ينبغي ألا تُستعاد في الذاكرة إلا من أجل أداء الواجب. وعندما يُنجز الواجب، ينبغي أن تعود الذاكرة إلى الله، مركّزة عليه وحده.
وفوق ذلك، إذ تسعى النفس إلى المضي قدمًا في تتميم مشيئة الله، ينبغي لها أن تسعى إلى تنحية الآمال التي تصنعها لنفسها، وأن تبدأ في ترك الله، والله وحده، يكون مصدر الرجاء. وسيكتشف المفرطون في التفكير فجأة أنهم يرجون الله حقًا، ولكن برجاء لا يستند إلى عملية طويلة ومعقدة من التفكير والاستدلال القائمين على كل ما يتذكرونه عن الله. كما أنه لا يستند إلى ما يظنون أنه الأفضل، أي إلى تصورهم هم لتدبير الله. بل إن هذا الرجاء الجديد نقي ومفاض. إنه ببساطة حاضر. وعندئذ تكتشف النفس راحة وثقة ويقينًا جديدة. وكالإيمان، تتسم عطية الرجاء هذه بشيء من الغموض، ولا تستند إلى سلسلة من الاستنتاجات المنطقية. إنها تستند فقط إلى حضور الله في حياتهم، وهو يغرس فيهم الرجاء به وحده.
المحبة المفاضة النقية والإرادة
على المبتدئ في الحياة المسيحية أن يتخذ خيارًا تلو الآخر لصالح المحبة بدلًا من الأنانية. فستسمع النفس كلمة الله، وتستلهم العمل بحسب شريعته، وتفحص أعمالها، وتحاول تغيير طرقها الخاطئة. وذلك لكي تتوافق أعمال النفس على نحو أوضح مع محبة الله. هذه هي مرحلة المحبة لدى المبتدئ. وإذ تبدأ النفس في العمل بمحبة، متخذة قرارًا صالحًا تلو الآخر، تختبر لذة عظيمة فيما تفعله. ونتيجة لذلك، تحب أن يستخدمها الله. فتصبح المحبة غذاء النفس الروحي وتلهمها أن تحب أكثر فأكثر.
ولكن الله سيبدأ في نهاية المطاف بتنقية إرادة الإنسان، بإفاضة المحبة فيها، في عملية تتجاوز ما يختبره المبتدئون فحسب. وتصبح المشاعر الطيبة والتعزيات واللذات، شيئًا فشيئًا، أقل تأثيرًا بوصفها القوة المحركة وراء ما يفعله الإنسان. وبدلًا من ذلك، يبدأ الله بإفاضة المحبة مباشرة في إرادة الإنسان، وتبدأ النفس في أن تحب في الله وبالله، لا انطلاقًا من استدلالها الشخصي النابع من دوافع تحمل لها التعزية.
إن عملية النمو هذه في المحبة المفاضة ليست آسرة فحسب، بل تبعث على الرهبة أيضًا. لذلك، لنتأمل بمزيد من الوضوح في الفرق بين المحبة في حياة المبتدئ والمحبة المفاضة في حياة المتقدم والكامل.
في بداية الحياة المسيحية، غالبًا ما تتحفز إرادة الإنسان بما يُستثار فيه من أهواء وعواطف. فعندما يكتشف المبتدئ الله ومشيئته، ينشأ حماس في الجانب الحسّي من نفسه، ويكون هذا الحماس دافعًا حقيقيًا. ومن العوامل الأخرى التي تحفّز إرادته الأهواء الطبيعية التي سبق ذكرها، أي الأمل والحزن والخوف.
عندما يبدأ الإنسان بالعيش في هذه الحالة الأسمى، بوصفه متقدمًا في الحياة الروحية، تبدأ المحبة بالانسكاب مباشرة في إرادته، لا عن طريق الأهواء. وتبدأ أهواء مثل الفرح بخدمة الله، وما هو أقرب إلى الطبيعة من أمل في القيام بأمور عظيمة من أجل الله، بالتلاشي. كذلك، فإن ما هو طبيعي من حزن وخوف يقلّ تأثيره في الإنسان أيضًا. ونتيجة لذلك، لا تعود إرادته موجَّهة بالأهواء، حتى الصالحة منها. بل إن مشيئة الله الإلهية نفسها تفيض المحبة في إرادته، وهكذا تصبح المشيئة الإلهية المصدر الوحيد الذي يحفّز محبته.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد! فإذ تُفاض المحبة مباشرة في إرادة الإنسان، ويكون الله وحده هو الذي يوجّه أفعاله، يبدأ باكتشاف أن مشيئة الله، العاملة فيه، تبدأ أيضًا بالإمساك بزمام أهوائه وتوجيهها. وهكذا يحدث نوع من الانقلاب الكامل. ففي البداية، كانت الأهواء الطبيعية، أي الفرح والأمل والخوف والحزن، تؤثر في الإرادة وتوجّهها. أما الآن، فالمحبة المفاضة وحدها هي التي توجّه الإرادة، ثم توجّه إرادة الإنسان أهواءه، وتضبطها، وتستخدمها من أجل محبة الله والآخرين.
الاستعداد للمشاهدة الاعتيادية
قد تتساءل عند هذه النقطة عن دورك في مسيرة تلقّي الإيمان والرجاء والمحبة المفاضة. نعم، لك دور أساسي. ويمكن تلخيص هذا الدور في أن تعمل بوعي على إفساح المجال وعدم الوقوف عائقًا!
في كثير من الأحيان، عندما تبدأ النفس باختبار دخول الله حياتها بهذه الطريقة الجديدة والمفاضة، قد تشعر بأن الأمور غير مألوفة وغريبة وجديدة ومحيّرة. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما تتدخل النفس في عمل الله المفاض وتعيق قدرته على تحويل عقلها وذكرياتها وإرادتها. لذلك، إليك بعض النصائح العملية حول كيفية إفساح المجال وعدم الوقوف عائقًا، والسماح لله بأن يعمل فيك.
الإيمان—عندما يبدأ الله بإفاضة الإيمان في عقلك، لا تقاوم ذلك. فعندما تبدأ هذه المشاهدة المفاضة، قد تشعر بأنك تحتاج إلى الجلوس في صمت أكثر مما تحتاج إلى محاولة التأمل أو التفكير. وستبدأ باكتشاف أن كل ما كنت تعرفه سابقًا عن الله لا يُذكر بالمقارنة مع الله نفسه. لذلك، ابدأ بجهد فعلي بالتخلي عن أفكارك السابقة عن الله. وليس معنى ذلك أنها كانت خاطئة، بل إنها كانت غير مكتملة فحسب. تذكّر كلمات القديس بولس عندما كان يمرّ بهذه المسيرة لاكتشاف الإيمان المفاض النقي:
فنحن نعرف معرفة جزئية ونتنبأ تنبؤًا جزئيًا، ولكن متى جاء الكامل زال الجزئي. لما كنت طفلًا، كنت أتكلم كطفل، وأفكر كطفل، وأستدل كطفل؛ ولما صرت رجلًا، تركت ما هو للطفل. إننا الآن نرى رؤية غير واضحة، كما في مرآة، ولكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف معرفة جزئية؛ أما حينئذ فسأعرف معرفة كاملة، كما أنني معروف معرفة كاملة. (1 كورنثوس 13:9-12)
كان القديس بولس في مسيرة انتقال من أساليب الطفولة، حيث لا يرى إلا رؤية جزئية، إلى النضج الروحي والرؤية بوضوح أكبر.
لذلك، فإن أفضل نصيحة عملية يمكن تقديمها بشأن النمو في الإيمان المفاض هي ببساطة: «دع ذلك يحدث». لا يمكنك أن تُجبره على الحدوث، بل يمكنك فقط أن تهيّئ نفسك لتدع الله يحققه فيك. بل قد ينتهي بك الأمر إلى إيقافه تمامًا بتدخلك في هذه المسيرة. لذا، أفسح المجال ولا تقف عائقًا، ودع التحوّل يحدث عندما يبدأ الله بمنحك هذه العطية. دع الله يمنحك ذاته بهذه الطريقة الجديدة والأعمق عندما يختار أن يفعل ذلك. وعندما تبدأ باختبار هذا، لا تتفاجأ إن بدا لك غريبًا. لا تخف من التخلي عن معرفتك السابقة بالله. فإذ يُفاض الإيمان فيك، سيكون عليك أن تمرّ بمسيرة معرفة جديدة تمامًا. وستتلاشى أفكارك ومفاهيمك وفهمك وبصائرك المصاغة عن الله، وستبدأ بمعرفته بطريقة جديدة وعامة وغامضة، لكنها عميقة اليقين. وستبدأ «بالتحديق في الشمس»، وتختبر نتيجة لذلك قدرًا من العمى والظلمة في عقلك الطبيعي. لكن النور الذي تتلقاه في روحك سيغيّرك، من دون أن تضطر حتى إلى فهم كيفية حدوث ذلك. قلّل من التفكير، وزد من تسليم ذاتك.
الرجاء—على غرار إفاضة الإيمان، عندما يريد الله أن يفيض الرجاء النقي في ذاكرتك، دعه يفعل ذلك. والسبيل إلى ذلك هو أن تتخلى عن الآمال التي صغتها أنت من تلقاء نفسك. وبعبارة أخرى، لا تضع لنفسك أفكارًا وتصورات وخططًا وطموحات وما إلى ذلك في الحياة، ولا تبنِ آمالك للمستقبل على خبراتك السابقة مع الله. كل ذلك حسن للمبتدئ. أما الآن، بوصفك متقدمًا في طريق الاستنارة، فستُدعى إلى الرجاء بطريقة أسمى. ولا بدّ للذاكرة من أن تمرّ بمسيرة نسيان لكل خطيئة ماضية، ولكل معرفة طبيعية، بل حتى للمعرفة الروحية. وفي ما يتعلق بهذه الأخيرة، ليس معنى ذلك أن أفكارك الروحية وآمالك السابقة سيئة. بل إنها ليست على درجة الكمال التي يمكن أن تبلغها. لذلك، يريد الله أن يقودك مباشرة، ويريدك أن «تنسى» الكثير مما تعلمته حتى الآن.
أفضل ما يمكنك فعله في هذه العملية هو أن تستريح، وتصمت، وتدع الله يتولى الأمر ويمسك بزمام ماضيك، بل حاضرك ومستقبلك أيضًا. لم يعد عليك أن تفهم كل شيء. ولم يعد عليك أن تحلّل كل ما فعلته. ولم يعد عليك أن ترسم مسار مستقبلك. فالله سيفعل ذلك، وسيقودك خطوة فخطوة. وهكذا، فإن الرجاء المفاض من الله يحرّر النفس تحريرًا عميقًا ويرفع عنها أثقالًا كثيرة تنشأ من الأفراح والآمال والأحزان والمخاوف البشرية والدنيوية.
المحبة—حين تبدأ المحبة تُفاض فيك، ستبدأ ترى إعادة ترتيب شاملة للطريقة التي تعمل بها انفعالاتك وإرادتك. ولن تعود مندفعًا إلى المحبة بدافع انفعال تجاه الله أو الآخرين، بل سيأتي دافعك من الله وحده. ولذلك، لا بد أن تتطهّر إرادتك. وقد تشعر بشيء من الغرابة حين تدع الله يحرّكك بدلًا من انفعالاتك. ولكي تدع الله يفعل هذا فيك، لا بد أن تكون مستعدًا لترك انفعالاتك تسكن وتهدأ وتستريح. وعندما تفعل ذلك، ويصبح الله المصدر النقي لمحبتك، سترى انفعالك يعود على نحو جديد. وسترى أن إرادتك، التي باتت إرادة الله تستحوذ عليها، تضبط انفعالاتك، لا العكس كما كان من قبل. إن إرادتك سوف تتحكّم في أفعالك، وإرادتك سوف توجّهها محبة الله النقية والمفاضة. وستكون لك قوة جديدة لتحبّ ببطولة وعمق وثبات.
أما مسؤوليتك، فهي أن تسمح بحدوث هذا الانتقال. عليك أن تدع انفعالاتك تخمد، لكي تنهض من جديد لاحقًا تحت سيطرة إرادتك. وعليك أن تسعى إلى الاستسلام لإرادة الله، لكي يكون هو وحده المتحكّم في حياتك. ولا بد أن يكون هذا الاستسلام، في البداية، فعلًا مقصودًا جدًا من جانبك. ولكن بقدر ما ترضى به، سيتولى الله الأمر ويُتمّ هذا التحوّل في المحبة.
الاحتمال بصبر—ثمة نصيحة عملية أخيرة، وهي أن على النفس أن تتعلّم المثابرة وسط جميع أشكال الألم، وأن تنمو نموًا عميقًا في فضيلة الاحتمال بصبر. فتحوّل عقلك وذاكرتك وإرادتك ليس سهلًا، وغالبًا ما يصحبه الألم. وقد يأتي الألم من خلال الجفاف الداخلي، والتجارب الشديدة، والمحن، والإذلال. لكن هذه الصراعات ضرورية لكي تتمكّن النفس من «اجتياز الاختبار»، إن صحّ التعبير، وتصبح قوية في الفضيلة. وسينمو الاحتمال بصبر كلما تحوّلت صلاة المرء إلى التأمل المفاض الذي تحدّثنا عنه حتى الآن، ولن يبلغ كماله إلا من خلال التطهير النهائي المنفعل للروح، الذي سنتحدّث عنه في الفصل التالي.
وأنت تصلّي…
مع أن الشخص في هذه المرحلة من النمو الروحي، أي مرحلة المتقدّمين، سينجذب بانتظام إلى التأمل، وسيحتاج إلى ترك ممارساته السابقة في التأمل التفكّري، فستكون هناك أوقات يلزم فيها أن يصلّي بطريقة معيّنة، بل أن يبدأ تأملًا تفكّريًا معيّنًا. وفيما يلي صلاة جميلة كتبها القديس إغناطيوس دي لويولا، يمكن استخدامها في هذه المرحلة، لأنها تسعى إلى تسليم العقل والذاكرة والإرادة.
خذ، يا رب، واقبل حريتي كلّها،
وذاكرتي وفهمي،
وإرادتي كلها،
كل ما أملك وأعدّه لي.
أنت منحتني كل شيء.
وإليك، يا رب، أردّه.
كل شيء لك؛ فاصنع به ما تشاء.
أعطني فقط محبتك ونعمتك،
فهذا يكفيني.
آمين.
بالإضافة إلى هذه الصلاة، من المفيد أن تسعى إلى ثلاثة أمور حين تبدأ صلاتك:
- اسعَ إلى أن تغمر عقلك في غموض الإيمان الخالص وعماه. ومن الصور المناسبة لذلك أن ترى الله، بعين عقلك، نورًا خالصًا، أشد سطوعًا من الشمس نفسها، يضيء عليك. وهذا السطوع طاغٍ إلى حد أنه يحجب عن بصرك كل معرفة أخرى لديك عن الله. فلا ترى إلا سطوعه.
- اسعَ إلى أن تنسى كل ما تتذكّره عن الله. وستُجرَّب، مرارًا وتكرارًا، بأن تفكّر في الله بدلًا من أن تكتفي بالصلاة. وستُجرَّب بأن تمضي في شتّى عمليات الاستدلال، محاولًا أن تجمع أجزاء حياتك المختلفة بعضها إلى بعض. انسَ ذلك. وتخلَّ عن هذا كلّه. اسعَ إلى أن تكون ذاكرتك خالية، لكي يتمكّن الله وحده من الاستحواذ عليها استحواذًا كاملًا بذاته النقية وبعطية الرجاء المفاض.
- اسعَ إلى التخلّي عن كل خيار عليك أن تتّخذه. وتجرّد من كل تفضيل، وكل رغبة روحية، وكل ما «تظنّ» أن الله يريده منك. وبدلًا من ذلك، استرح ببساطة في إرادته. وانتظره. وحين يكون مستعدًا، سيرشدك في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. وفقط إذا سمحت لله بأن يجرّد إرادتك من جميع قراراتك وتفضيلاتك الخاصة، يستطيع الله أن يستحوذ على إرادتك استحواذًا كاملًا بإرادته.