العربية

الفصل الثاني: «الرياضات الروحية»

الرياضات الروحية التي كتبها القديس إغناطيوس ليست كتابًا بقدر ما هي دليل لخلوة روحية منظّمة تمتدّ 30 يومًا. والطريقة المثلى للقيام بها هي أن يدخل الشخص في صمت وعزلة طوال 30 يومًا، بإرشاد مرشد روحي متمرّس يستطيع أن يقوده عبر المنهج الذي وضعه القديس إغناطيوس. ويقدّم هذا المنهج توجيهات لما ينبغي للمشارك في الخلوة أن يفعله كل يوم، على وجه التقريب. وقد كُتبت التعليمات أساسًا ليستعين بها المرشد الروحي في توجيه المشارك في الخلوة.

الرياضات الروحية للقديس إغناطيوس هي منهج مجرَّب يتيح للنفس أن تلتقي بالله الحي وتحبّه. وغايتها الوحيدة هي الاتحاد بالله وإتمام مشيئته الكاملة. ويوضح القديس إغناطيوس أيضًا أن بلوغ هذه الغاية يقتضي التخلّص من كل تعلّق غير منتظم بأمور هذا العالم. وبعبارة أخرى، قد يتأثر الإنسان كثيرًا وبصورة مفرطة بأمور غير مشيئة الله. ولذلك، تهدف الرياضات الروحية إلى مساعدتك على النظر في كل ما يؤثّر فيك، والاحتفاظ بما يوجّهك نحو مشيئة الله، والتخلّص مما يسبّب فيك الاضطراب.

لكنّ الحياة قد تكون مربكة أحيانًا. فقد تضلّلك بسهولة حكمة العصر الزائفة، والشرير، وضعفك وخطيئتك. لذلك، تهدف رياضات إغناطيوس الصارمة إلى تزويدك بمنهج متين تتجاوز به هذا الارتباك وتميّز بوضوح الطريق الذي يقودك إلى قداسة الحياة والسعادة القصوى.

 

المنهج الذي وضعه القديس إغناطيوس لـالرياضات الروحية

مع أنّ غاية هذا الكتاب (سبر الأعماق) ليست تقديم الرياضات الروحية في صيغتها الأصلية الممتدّة على 30 يومًا، فقد يكون من المفيد مع ذلك فهم المنهج الأساسي لرياضات القديس إغناطيوس. فهذا يساعدك على فهم الدروس والتأملات المقدَّمة في هذا الكتاب فهمًا أفضل.

الرياضات الروحية تُعاش على أفضل وجه حين يستطيع الشخص الدخول في فترة من الصمت والعزلة التامَّين تدوم نحو 30 يومًا. ومن الأفضل أن يتمّ ذلك في مركز للخلوات الروحية أو في مكان للعزلة يخلو من كل ما يشتّت الانتباه. فيُستغنى خلال هذه الفترة عن التلفزيون والإنترنت والتواصل اليومي وما إلى ذلك، لكي يكون شخص المسيح محور الاهتمام الوحيد. كذلك، يلتزم المشارك في الخلوة بممارسات إنكار الذات، كالصوم وغيره من أعمال التوبة اليومية.

يتضمّن البرنامج اليومي 4–5 ساعات من الصلاة موزَّعة على مدار اليوم. وتُحدَّد أوقاتها مسبقًا بمساعدة مرشد روحي، ويُواظَب عليها بدقّة بوصفها ممارسة للانضباط الروحي. وقد يشمل ذلك في بعض الأيام النهوض عند منتصف الليل لقضاء إحدى ساعات الصلاة. وتتركّز ساعات الصلاة هذه أساسًا على التأملات المحدَّدة التي وضعها إغناطيوس.

تُقسَّم التأملات إلى أربع فترات، أو «أسابيع» كما يسمّيها إغناطيوس، وإن لم يكن كلّ منها أسبوعًا معتادًا من 7 أيام. وفي ما يلي عرض موجز لهذا المنهج:

الأسبوع الأول: يمتدّ «الأسبوع» الأول نحو 4–5 أيام، ويتضمّن فحصًا شاملًا لخطايا الشخص، وللخطيئة عمومًا، وللموت وجهنّم ورحمة الله. ويُختتم هذا الأسبوع باعتراف شامل بخطايا الحياة كلّها (وهو ما يُسمّى «الاعتراف العام»).

الأسبوع الثاني: يبدأ الأسبوع الثاني بالتركيز على المسيح بوصفه الملك الأمثل الذي يستطيع الإنسان أن يسلّمه بثقة زمام حياته. ويتكوّن الجزء الأكبر من تأملات هذا الأسبوع من تأملات في تجسّد المسيح وميلاده. وتتخلّلها أيضًا ثلاثة تأملات أخرى: الرايتان، وفئات الناس الثلاث ودرجات التواضع الثلاث. ويُختتم هذا الأسبوع بـ«اختيار»، وهو مسار لاتخاذ قرار مهمّ في الحياة بعد تمييز مشيئة الله تمييزًا سليمًا. ويدوم الأسبوع الثاني نحو اثني عشر يومًا.

الأسبوع الثالث: يركّز الأسبوع الثالث على أحداث الأسبوع المقدّس، ويدوم نحو خمسة أيام.

الأسبوع الرابع: يركّز الأسبوع الرابع على قيامة المسيح وصعوده، ويدوم نحو تسعة أيام.

كذلك، يشكّل التفكّر في طرق الصلاة المختلفة وأساليب التمييز دروسًا محورية تتوزّع على الأسابيع المحدَّدة. ويستخدم الأسبوع الأول ما يسمّيه إغناطيوس «التأمل» أساسًا للصلاة. أمّا الأسابيع من الثاني إلى الرابع فتستخدم طريقته في «المشاهدة» و«تطبيق الحواس» للصلاة.

من الأفضل أن يلتقي المشارك في الخلوة بمرشد روحي كل يوم خلال الخلوة. ويُخصَّص هذا الوقت لمشاركة مختلف تحرّكات الروح في نفسه. وعلى المرشد أن يساعده على تمييز ما يقوله الله، بالنظر في حالته العامة ومشاعره وعواطفه وتعزياته ودوافعه الداخلية وأفكاره وأمزجته وما إلى ذلك. والغاية هي استخدام المبادئ التي وضعها إغناطيوس بشأن «تمييز الأرواح»، لتحديد ما إذا كانت مختلف التحرّكات في النفس آتية من الله أم من الشرير. وليست هذه اللقاءات جلسات مشورة أو اعتراف بقدر ما هي لقاءات لتمييز عمل الله في الصلاة اليومية والأنشطة اليومية، بغية اتخاذ العزائم التي يريدها الله من المشارك في الخلوة. وبعبارة أخرى، لكي يعرف الإنسان مشيئة الله لحياته ويختارها، عليه أولًا أن يميّز مشيئة الله. ودور المرشد الروحي هو مساعدته في هذا المسار.

وتشمل الرياضات الأخرى خلال كل يوم فحصًا خاصًّا في الصباح وعند الظهر وفي المساء، للنظر في كيفية سير الشخص في الرياضات، بما يساعده على الالتزام بأساليبها والمحافظة على ثمارها. كذلك، يخصّص المشارك في الخلوة وقتًا للقراءة الروحية في مسائل الإيمان وتعليم الكنيسة وسِيَر القديسين.

 

المبدأ والأساس

يشرح القديس إغناطيوس مقصد الرياضات الروحية وغايتها على النحو الآتي:

خُلق الإنسان ليسبّح الله ربنا ويوقّره ويخدمه، وبهذه الوسيلة يخلّص نفسه.

وسائر الأشياء على وجه الأرض خُلقت من أجل الإنسان، ولكي تساعده على بلوغ الغاية التي خُلق من أجلها.

ويترتّب على ذلك أن على الإنسان أن يستخدمها بقدر ما تساعده على بلوغ غايته، وأن يتخلّى عنها بقدر ما تعوقه عن بلوغها.

ولهذا، من الضروري أن نجعل أنفسنا متجردين تجاه جميع المخلوقات، في كل ما هو متاح لاختيار إرادتنا الحرة وغير محظور عليها؛ بحيث لا نرغب، من جهتنا، في الصحة أكثر من المرض، ولا في الغنى أكثر من الفقر، ولا في الكرامة أكثر من الهوان، ولا في طول العمر أكثر من قصره، وهكذا في سائر الأمور؛ فلا نرغب ولا نختار إلا ما يقودنا على أفضل وجه إلى الغاية التي خُلقنا من أجلها.

يرد النص أعلاه في بداية الأسبوع الأول من الرياضات الروحية، ويعرض الأساس والمبدأ الجوهري لممارستها. وينبغي أن نقرأ هذا «المبدأ والأساس» مرارًا، وأن ننظر إليه بوصفه «العدسة» التي نمارس من خلالها جميع التأملات والصلوات والرياضات. وهو أيضًا، بالنسبة إلى القديس إغناطيوس، «العدسة» التي ننظر من خلالها إلى الحياة نفسها. ونجد فيه أربعة مبادئ واضحة:

  1. مجد الله: يعلن إغناطيوس أننا خُلقنا من أجل الله. هذا كل ما في الأمر. لقد خُلقنا لنسبّحه ونمجّده ونوقّره. وهذا حقّ لله لمجرّد كونه مَن هو: إنه الله.
  2. الخلاص: إذا كان تمجيد الله وتسبيحه غايتنا في الحياة، فإن «النتيجة الملازمة» هي خلاصنا الأبدي. فكثيرًا ما نفترض أننا سنخلص. نفترض أن الله صالح وأننا سنذهب إلى السماء حين نموت. ونتيجةً لهذا الافتراض المتّكل، قد نغفل عن الضرورة الجوهرية للسعي إلى خلاصنا الأبدي. وستساعدنا الرياضات على السعي باجتهاد إلى هذه الغاية، من خلال فحص ما إذا كان كل ما نفعله في الحياة يهدف إلى تسبيح الله وتمجيده وتوقيره أم لا.
  3. التقييم: علينا أن نقيّم باستمرار كل شيء في الحياة، وأن نميّز ما إذا كانت أنشطتنا اليومية تساعدنا على بلوغ غاية الحياة الواحدة والوحيدة أم لا. هل تساعدني أموالي وعملي وعلاقاتي وعاداتي وهواياتي ومواقفي وممتلكاتي وأهدافي ورغباتي ومشاعري، وما إلى ذلك، على تمجيد الله، وبالتالي على خلاص نفسي؟ أم أن هذه الأمور تعوق بلوغ هذه الغاية؟ لقد كُتبت التأملات والدروس التي يقترحها القديس إغناطيوس لمساعدتك على بلوغ تلك الغاية.
  4. التجرّد: علينا أن نسعى إلى ما يسمّيه إغناطيوس «التجرّد». ويجب أن نفهم هذه الكلمة فهمًا صحيحًا. فهي بالتأكيد لا تعني «أنا لا أبالي». لكنها تعني: «ليست لديّ أفضلية بشأن المسار الذي تسلكه حياتي، ما دام متوافقًا مع مشيئة الله». وفهم هذا الأمر ضروري للنمو الروحي. لنفترض، مثلًا، أن شخصًا أصيب بمرض مُنهِك يُرجَّح أن يدوم عدة سنوات وأن يؤدّي في النهاية إلى الموت. قد يكون تقبّل ذلك صعبًا. وقد يميل المرء إلى التركيز باستمرار على شفاء عجائبي. ولكن هل هذا هو ما سيعطي الله أعظم مجد ويأتي بأوفر ثمر روحي لقداسة حياتك؟ ربما يكون كذلك، وربما لا. فمن الممكن أن يتمجّد الله تمجيدًا عظيمًا من خلال محنة المعاناة الطويلة المتّحدة بآلام المسيح. لذلك، من الضروري أن يكون الإنسان «متجردًا» إزاء الشفاء أو عدمه، وألا يسعى إلا إلى أن يتيح لهذا المرض أن يصبح وسيلة للنعمة والخلاص. وإذا كان الشفاء العجائبي هو ما سيعطي الله أعظم مجد، فإن هذا التجرّد المقدس سيقودك إلى تلك الصلاة.

يمكن إيراد أمثلة أخرى كثيرة، لكن الفكرة الأساسية هي أن نسعى كل يوم إلى التخلّي عن تفضيلاتنا في الحياة، مدركين أن الظروف التي نجد أنفسنا فيها قد تكون في الواقع وسيلة عظيمة للقداسة. ويجب أن تكون مشيئة الله، ومشيئة الله وحدها، محور اهتمامنا الوحيد في كل شيء، سواء كنّا أغنياء أم فقراء، أصحّاء أم مرضى، وكانت أسرتنا كبيرة أم صغيرة، وما إلى ذلك. ويجب أن تكون غايتنا الوحيدة هي طلب الله ومشيئته الكاملة والمقدسة.

 

ملاحظات: بعض المبادئ الأساسية والضرورية

في بداية الرياضات الروحية، يعرض القديس إغناطيوس ما يُسمّى «ملاحظات». وكانت هذه في الأصل ملاحظات قصيرة دوّنها أثناء إرشاده إلى ممارسة الرياضات. وهي مبادئ ونصائح واضحة وموجزة لكلٍّ من القائم بالرياضة الروحية والمرشد الروحي. ومع أن هذه الملاحظات كُتبت للمساعدة في توجيه الرياضة الروحية التي تمتدّ 30 يومًا، فإنها تنطوي على حكمة وافرة يمكن، بل ينبغي، إدماجها في حياتك اليومية. وفيما يلي خلاصة لبعض هذه الملاحظات:

الله مرشدك: من الضروري أن تبدأ بفهم واضح مفاده أن جميع رياضاتك الروحية وصلواتك وتأملاتك، وما إلى ذلك، لن تؤتي ثمرًا في حياتك إلا إذا كان الله مصدر صلاتك ومرشدها. يمكنك أن تكرّس عمرك كلّه لدراسة حكمة القديسين والكنيسة بأسرها، ولكن إن لم يكن الله يخاطب نفسك مباشرة، وإن لم تكن نفسك تسمع بوضوح صوت الله نفسه، فلن يتحقّق أي تقدّم على الإطلاق. بل إن العكس هو الأرجح في الواقع. فمَن يسعى إلى النمو في الحكمة أو القداسة من أي مصدر غير علاقة روحية مباشرة بالله، سيلحق به في الواقع ضرر كبير. صحيح أن الله يستخدم دائمًا وساطة الكنيسة، وكثيرًا ما يستخدم وساطة أشخاص آخرين، أو، في هذه الحالة، وساطة الحكمة التي يقدّمها القديس إغناطيوس، كما نرجو. لكن لا تخطئ في فهم الأمر: إن لم يكن الله نفسه هو الذي يكلّمك في أعماق نفسك، فإن رياضاتك الروحية ستضرّك أكثر مما تنفعك.

لهذا السبب، يوضح القديس إغناطيوس أن المصدر الأساسي للبصيرة والإرشاد الروحي ليس مرشد الرياضة الروحية، بل الله. فالله يخاطب نفسك بطرق شتى. أحيانًا يخاطبك مباشرة، «متكلمًا» إليك بطريقة لا لبس فيها. وفي أغلب الأحيان، يتكلم من خلال التعزيات، وهي حركات روحية داخلية في نفسك. وفي أوقات أخرى، يخاطبك من خلال تفكيرك الروحي الواعي الذي يستند إلى الحقائق الروحية التي تكتشفها. لذلك، وأنت تسير في حياتك اليومية المفعمة بالصلاة، ابدأ بالإقرار بأن الله، والله وحده، هو المرشد الذي تبحث عنه. فلا بد أن يكون الروح القدس هو مرشدك، كاشفًا لك حياة المسيح ومشيئة الآب، إن كنت تريد أن تتقدم ولو خطوة واحدة في القداسة.

أما الذين يقومون برياضة روحية موجَّهة لمدة 30 يومًا، فإن المرشد الروحي الذي تلقّى إعدادًا جيدًا يدرك هذه الحقيقة بتواضع، ويسعى إلى «ألّا يعترض الطريق» حين يكون الله هو العامل. فهدف المرشد الروحي هو أن يساعدك على العودة إلى صوت الله حين تضل الطريق، وأن يساعدك أيضًا على الثبات في حق الله حين تصغي إليه وتتبعه على الوجه الصحيح.

أما الذين يسعون إلى إدماج هذه الحكمة في حياتهم اليومية على مدار السنة من دون مساعدة مرشد روحي تلقّى إعدادًا جيدًا، فتقع عليهم مسؤولية أكبر بكثير في التماس صوت الله وتمييزه من صوت العالم أو الجسد أو الشيطان أو تفكيرهم المشوَّش. ومع أن تحقيق ذلك قد يكون صعبًا أحيانًا، فإنه يصبح أيسر إذا فهمت تعاليم القديس إغناطيوس واعتمدت عليها، ولا سيما ما يتعلق بتمييز الأرواح، وتذكّرت أن الله، والله وحده، هو مرشدك. التمسه، وأصغِ إليه، وميّز صوته، واتبعه حين يخاطبك.

تمييز صوت الله: إن المبدأ التوجيهي المذكور أعلاه، وهو أن الله يجب أن يكون «مرشدك الروحي»، يقود إلى مبدأ إغناطي أساسي ثانٍ: التمييز. كيف تميّز صوت الله وتفرّق بينه وبين أفكارك الخاصة، أو الأفكار المشوَّشة التي تمليها «حكمة العالم»، أو أكاذيب الشرير نفسه وتجاربه؟ إن الإجابات عن هذه الأسئلة هي في صميم تمييز الأرواح عند القديس إغناطيوس.

عُد بفكرك إلى الفصل الأول لتتأمل في التمييز الذي مارسه القديس إغناطيوس نفسه. تذكّر كيف خاض عملية تفكير بشأن ما يمكن أن نسمّيه «الآثار اللاحقة» لأنواع معينة من التفكير. ففي البداية، أمضى إغناطيوس وقتًا في أحلام اليقظة عن الحب والفروسية، ثم أمضى وقتًا يتأمل في حياة المسيح والقديسين. ومع أن كلا المسارين الفكريين كان يمتعانه، فإن واحدًا منهما فقط كان يترك «أثرًا لاحقًا» من الفرح والسلام.

وهكذا هي الحال في التمييز. فحين تصغي إلى صوت الله، وحين يكون الله هو الذي يقودك، سترى ثمارًا صالحة تتولّد من صلاتك وتأملك. وحين تتركك الفكرة التي تراودك، والوضوح الذي تناله، والاتجاه الذي تسلكه، والقرار الذي تتخذه، في سلام ويقين وفرح مستمر وما إلى ذلك، فالأرجح أن روح الله هو الذي يقودك. أما حين يتركك تفكيرك وتأملك وعزمك وما شابه ذلك في غضب وحيرة وحزن وما إلى ذلك، فعليك أن تتوقف وتتراجع خطوة، وتدرك أن هذه ليست «الآثار اللاحقة» للاتحاد بالله. فالتمييز السليم يقتضي أن نكون مستعدين بتواضع لتغيير الطريق الذي نسلكه وتغيير تفكيرنا. وينبغي للآثار التي نختبرها من جرّاء تلك الأخطاء أن تساعدنا على العودة وتصحيحها من مصدرها.

يقدّم الفصلان الخامس والسادس خلاصة لتعليم القديس إغناطيوس بشأن هذه الممارسة، بهدف التوسّع في عملية تمييز الأرواح هذه وزيادة إيضاحها.

الشجاعة والسخاء: لعلنا جميعًا سمعنا القول: «على قدر ما تبذل تنال». وهذه الحقيقة العامة تنطبق أيضًا على حياتنا الروحية. فإذا بذلت جهدًا فاترًا، فتأكّد أن نفسك ستكون فاترة. وإذا أقبلت على رياضاتك الروحية بأنانية وفتور، فتأكّد أن هذا ما ستناله. أما إذا سعيت بانتظام إلى القيام بأعمق فعل من السخاء والشجاعة، ثم واصلت تعميق هذا الفعل، يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر، فيمكنك أن تكون على يقين بأن ربنا سيغمرك بسخائه.

السخاء والشجاعة هما في جوهرهما فعل صادر عن إرادتك. فمن الضروري أن تقول «نعم» بفعل من إرادتك. لكنك قد تقول «نعم» مع تحفّظ في كثير من الأحيان. فقد تقول: «يا رب، ماذا تريد مني؟ عرّفني بذلك حتى أفكّر فيه ثم أحاول أن أفعل ما تريد». هذا فتور وجبن. ابدأ بـ«نعم». وواصل بـ«نعم». ولا تقل لربنا ولمشيئته سوى «نعم» كاملة ومدوّية. إليك ثلاث صلوات قوية من الكتاب المقدس، بحسب النسخة القياسية المنقّحة، الطبعة الكاثوليكية (RSV-CE)، يمكنك أن تتخذها نموذجًا لتسليم ذاتك:

«ها أنا أمة الرب؛ فليكن لي بحسب قولك». لوقا 1:38

«…لا تكن مشيئتي، بل مشيئتك». لوقا 22:42

«يا أبت، في يديك أستودع روحي!» لوقا 23:46

كذلك، فإن صلوات تسليم الذات التي كتبها القديس إغناطيوس وشارل دو فوكو، والواردة في «صلاة الصباح» في الجزء الثالث من هذا الكتاب، تهدف إلى مساعدتك على بلوغ الـ«نعم» المنشودة لله. صلِّ تلك الصلوات، واقصد ما تقوله فيها، وردّدها مرارًا وتكرارًا، ودعها تصبح فعلًا عميقًا صادرًا عن إرادتك.

الجفاف: إذا عشت حياة صلاة، ولا سيما بالطريقة المنظّمة والمنهجية التي يقدّمها القديس إغناطيوس، فيمكنك أن تثق بأن هذه الصلاة ستؤتي ثمارها. فسوف تتغيّر. وإذا لم تلحظ أي أثر واضح في حياتك بعد أن عشت حياة صلاة عميقة ومثابرة، فعليك أن تتراجع خطوة وتتأمل في السبب. والأرجح أن السبب هو أنك لم تُقبل حقًا على حياة الصلاة بسخاء وشجاعة. أما إذا كنت تفعل ذلك بصدق وبكلّ كيانك، وإذا كنت قد سعيت حقًا إلى تخليص حياتك من كل خطيئة، فمن الممكن أيضًا أن يكون «الجفاف» الذي تختبره هو بالضبط ما تحتاج إليه. فمن الممكن أن يكون الله ينزع عنك كل تعزية روحية ليدعوك إلى أن تقول «نعم»، لا لأنك «تشعر» بالارتياح، بل لأنك تحبّه. ومن الممكن أن يكون ما يريده الله منك، أكثر من أي شيء آخر، هو فعل إرادة أكثر نقاءً واكتمالًا، على الرغم من الغياب الظاهر لأي شعور روحي أو تعزية حسّية. وهذا أمر جيد. غير أنه من المهم أيضًا أن تتأكد من أن هذا «الجفاف» ليس ناتجًا عن تكاسلك في الصلاة وفي التزامك بالمسيح، وبالتغلّب على الخطيئة، وبإتمام مشيئته الإلهية.

تجنّب التطرّف: أحيانًا، حين يبدأ المرء باكتشاف حياة النعمة والرحمة الجديدة، ويبدأ بالتحرّر من خطايا لازمته منذ بعض الوقت، قد يميل إلى الانتقال إلى أحد الطرفين أو إلى «المبالغة في ردّ الفعل»، إن صحّ التعبير. وهذه المبالغة في ردّ الفعل ليست حركة روحية في النفس (وهي دائمًا صالحة)، بل هي تعامل عاطفي غير عقلاني مع بعض «المشاعر الطيبة» التي يختبرها المرء. على سبيل المثال، تذكّر مشهد التجلّي حين أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا إلى جبل عالٍ، وتجلّى أمامهم وهو يتحدّث إلى موسى وإيليا. وقد غمر الحماس بطرس حتى صاح: «يا رب، حسنٌ لنا أن نكون ههنا؛ فإن شئت، أقمت هنا ثلاث مظال، واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا» (متى 17:4). إن حماس بطرس الذي دفعه إلى عرض إقامة ثلاث مظال كي يتمكنوا من البقاء على الجبل يمكن وصفه بأنه «تطرّف» أو «مبالغة في ردّ الفعل». كان بطرس يسمح لعواطفه، لا لمشيئة الله، بأن توجّه تفكيره. ولعلّ هذا أحد أسباب انتهاء تلك الخبرة على نحو مفاجئ إلى هذا الحد.

وفي الوقت نفسه، إذا وجدت أن بعض الرياضات الروحية تقودك إلى الارتباك واليأس والخوف وما شابه ذلك، فتجنّب هذه أيضًا. في هذه الحال، تراجع خطوة لتعيد النظر في تفكيرك، مدركًا أنك على الأرجح تسلك طريق خطأ ما في التفكير، وتسيء فهم صوت الله. ومثال جيد على ذلك هو هروب القديس بطرس خوفًا حين أُلقي القبض على يسوع. فلم يكن إلقاء القبض هو المشكلة، بل كان يأس بطرس وتفكيره المرتبك في تلك اللحظة.

إن الله، حين يكون هو حقًا من يقودك، سيقودك بشجاعة وسلام وفرح وثقة في الطريق الجميل الذي أعدّه لك، والذي يحرّرك ويحقّق ملء حياتك. فكل هذه الصفات والخبرات الجميلة سترافق مسيرة توبة أصيلة وصادقة. لذلك، إذا لاحظت تسلّل أشكال أخرى من التطرّف، فتوقّف وتراجع خطوة وابدأ من جديد بتأنٍّ. وإذا بقيت في حيرة، فالتمس مشورة شخص آخر.

لا تقفز إلى الأمام: من الميول في الحياة الروحية الرغبة في القفز إلى الكمال. لكن كمال الحياة لا يتحقّق بين ليلة وضحاها. ولا توجد طريقة سريعة وفورية لتحويل كل جانب من جوانب حياتك ليوافق مشيئة الله. فهذا يتطلّب غالبًا كثيرًا من الوقت والعزم والتغيير المستمر، وآلاف القرارات اليومية الصغيرة التي تتخذها مرارًا وتكرارًا طوال حياتك. وإذا حاولت أن «تقفز إلى الأمام» في الحياة الروحية، فلن تفعل سوى أن تخدع نفسك. فالهدف هو أن تدع الله يفعل ما يريده هنا والآن، اليوم، في نفسك، وأن تترك الغد للغد. والحق أنك، ما لم تسمح لله بأن ينجز العمل الذي يقصده لك اليوم، فلن تكون هناك إمكانية للمضيّ أبعد. فكل ما بين يديك هو مشيئته اليوم، هنا والآن. عش واجب اللحظة الحاضرة، وتجنّب تجربة الاعتقاد بأنك أكثر قداسة مما أنت عليه.

التزم بكلّ كيانك: يقدّم لنا القديس إغناطيوس أطرًا جيدة وسليمة للعمل والتأمل، وعليك أن تبذل كل ما في وسعك لتتبنّى هذه الطرق على نحو جيد. وإليك بعض الإرشادات العملية في هذا الشأن:

  • حين تخصّص ساعة مقدسة للسجود، اقضِ ساعة كاملة في الصلاة. والواقع أن 61 دقيقة أفضل بكثير من 59 دقيقة. وإذا كنت قد حدّدت مدة أقصر لوقت معيّن من الصلاة (مثل 15 دقيقة في الصباح)، فحاول أن تمكث 15–16 دقيقة، لا أقل. ويقدّم الفصل الثالث شرحًا موجزًا لكيفية استخدام طرق الصلاة الإغناطية: التأمل، والمشاهدة، وتطبيق الحواس.
  • حين تفحص ضميرك، أتمم فحص الضمير كاملًا، ولا تتعجّل فيه مفترضًا أنك لست بحاجة إلى هذا التأمل الداخلي المفصّل. وستجد المزيد عن فحص الضمير في الفصل الرابع.
  • إذا خاطبك في داخلك تأمل أو صلاة تستعين بها، فتوقّف وتأمّل فيها، وتقبّلها وتذوّقها، ولا تفوّت الثمر الروحي الذي يريد الله أن يمنحك إياه. فليس الهدف «الانتهاء» من التأمل، بل الهدف هو «لقاء الله الحي». لذلك، دع التأمل يُثمر الثمر الصالح الذي يريد الله أن يمنحك إياه. دع التأمل يقودك إلى المسيح، لتكلّمه وتتعرّف إليه وتحبّه. لا تصر عبدًا للتأمل نفسه، بل صر عبدًا للمسيح، جاعلًا إياه سيّد صلاتك وحياتك.
  • اعتمد على «الإطار المنظّم» أكثر من اعتمادك على مشاعرك إذا كنت تشعر بالوحشة والجفاف الروحيين. فالوحشة الروحية لا تصلح أبدًا دليلًا. في أوقات الوحشة، حين لا ترغب في البقاء طوال وقت صلاتك، أو حين يبدو أن صلاتك لا تؤتي إلا ثمرًا قليلًا أو لا تؤتي ثمرًا على الإطلاق، عليك أن تثابر. بل إن المثابرة في تلك الأوقات ضرورية، وهي أكثر إثمارًا بكثير مما يمكنك أن تدركه. إذا وجدت أنك لا تنال تعزية من صلاتك، فافرح بهذا الإدراك، ثم اجثُ على ركبتيك، وسبّح الله، وتأمل بعمق أكبر في الحقائق التي تتناولها في تأملك. وإذا قضيت ساعة كاملة أمينًا لتأملاتك وصلواتك ولم «تشعر» بالتعزية، فكن على يقين بأنها كانت ساعة مقدسة مثمرة، لأنك بقيت مع ربنا أمينًا له. فهذه الخبرة ستقوّي إرادتك تقوية كبيرة. ومن الآيات الكتابية التي يحسن تذكّرها في هذه اللحظات قول ربنا للرسل في ختام نزاعه في البستان: «أهكذا لم تقدروا أن تسهروا معي ساعة واحدة؟» (متى 26:40b، RSV-CE)

التعلّقات غير المنضبطة: من «الأهداف الفرعية» الأساسية في الرياضات الروحية أن تتحرر من كل تعلّق «غير منضبط» أو «غير مرتّب». ويعني ذلك التعلّق بأمور تنطوي على خطيئة، أو بأمور دنيوية، أو التعلّق المفرط. فعلى سبيل المثال، إن التعلّق بأيّ شيء مما يرد في الخطايا الرئيسية السبع أو الوصايا العشر هو تعلّق ينطوي على خطيئة. لكن التعلّقات غير المرتّبة لا تكون دائمًا بأمور تنطوي بوضوح على خطيئة. فإذا كان التعلّق مفرطًا وغير مرتّب، فإنه يظلّ عائقًا. فقد تكون لديك، مثلًا، رغبة عميقة في وظيفة معيّنة، أو ترقية، أو تكريم، أو مال، أو نجاح، وما إلى ذلك. أو لعلّك ترغب بشدة في التحرر من عبء ما في الحياة، كمرض جسدي. لكن مشيئة الله قد لا تكون بالضرورة أن يمنحك هذا «المطلب» أو يحررك من هذا «العبء»؛ بل قد تكون أن يمنحك النعمة لتتخلّى عن «المطلب» وتحتمل «العبء» بصبر. لذا، انتبه إلى كل رغبة شديدة في السعي إلى هذا الأمر أو ذاك، وإلى افتراض أن الله يريد لك هذا الأمر أو ذاك. وكن منفتحًا على تغيير وجهة نظرك.

قد يحدث أحيانًا أن تتعلّق حتى بالأمور «الصالحة» تعلّقًا غير منضبط. فربما تحبّ الدعوة التي أُعطيت لك وتختبر فرحًا عظيمًا في ما تقوم به. فقد يحبّ الكاهن خدمته الكهنوتية، وقد يحبّ أحد الوالدين القيام بأنشطة مع طفله، وما إلى ذلك. وهذا حسن! لكن حتى في هذه الحال، قد تجد أنك أصبحت أكثر تعلّقًا بالمشاعر الطيبة التي تنالها من تعلّقك بمحبة خالصة لله أو للآخرين. لذا، انتبه إلى كل «شيء» تتعلّق به وتحبّه، دون استثناء. وتأكد من أن دافع محبتك نقيّ ومتواضع، لا أنانيّ. وخلاصة الأمر أن الفرح العظيم بالدعوة والواجبات التي لديك أمر حسن، ما لم تصبح عاطفتك مفرطة، ومن ثمّ غير منضبطة، فتغدو بذلك عائقًا أمام النعمة ومشيئة الله.

احترم دعوتك في الحياة: بعبارة أخرى، إذا كنت أمًّا أو أبًا، زوجًا أو زوجة، ابنًا أو ابنة، فلا تحاول أن تعيش حياة كاهن أو راهب أو راهبة. والعكس صحيح. فقداسة الكاهن ستتخذ صورة تختلف عن قداسة أحد الوالدين، وهكذا. دع صلواتك وتأملاتك تقودك إلى إتمام دعوتك أنت بأمانة، لا دعوة شخص آخر.

التمس الخلوة والصمت: قليلون هم الذين يستطيعون الابتعاد لساعات أو أيام أو أسابيع أو أشهر متواصلة ليدخلوا في خلوة وصمت مع ربنا. لكن الصمت والخلوة ضروريان لكي تلتقي بربنا، وتسمع صوته، وتتبع وصاياه بحرية. لذلك، حتى الذين يعيشون حياة حافلة بالنشاط عليهم أن يسعوا إلى إيجاد الخلوة والصمت وسط انشغالات الحياة. فمن دونهما، يصعب سماع الله يتكلم. لذا، كن مبدعًا وملتزمًا في البحث عن الأوقات والسبل التي تستطيع من خلالها أن تلتقي بالله في لحظات من الصمت والخلوة. وحاول، على أقل تقدير، أن تحرص على أن تكون ساعتك المقدسة الأسبوعية أو فترة صلاتك اليومية خالية من كل ما يشتت الانتباه. أطفئ الهاتف المحمول، وأسكِت ضجيج جدولك اليومي، وتوقف عن التفكير في ما «ينبغي» أن تفعله، واكتفِ بأن تكون مع ربنا في الأوقات التي يمنحك إياها للصمت والخلوة.

الحق يحررك: ينبغي ألّا تخاف من الحق، أليس كذلك؟ المشكلة هي أن كثيرين يخافون مواجهة الحق. ولكن لماذا؟ لعلّ لذلك أسبابًا عدة. ومن أكثر أسباب هذا الخوف شيوعًا أن معظم الناس يخافون التغيير. لكن الحق لا ينبغي أن يبعث على الخوف، بل على الارتياح. لذلك، إذا كان اكتشاف حقيقة ما يدعوك إلى التغيير، فعليك أن ترحّب بذلك بذراعين مفتوحتين.

إن عبارة «الحق يحررك» دليل بالغ الأهمية، وهي جديرة بأن تتأمل فيها مرارًا وتكرارًا. فهذا المبدأ الأساسي يمكن أن يكون مصدر شفاء كثير في حياتك، ومصدر حرية داخلية وفرح عظيمين. فالله ومشيئته الكاملة هما الحق. إن التعرّف إلى الله، وإلى كل ما يكشفه وكل ما يشاؤه لحياتك، هو المحور الأهم الذي يوجّه هذه الرياضات، كما يوجّه الحياة نفسها.

 

الدروس التالية

قدّم هذا الفصل لمحة موجزة عن الرياضات الروحية كما كتبها القديس إغناطيوس. وستقدّم الفصول التالية خلاصة لبعض الدروس المتنوعة التي علّمها القديس إغناطيوس. ومن خلال دراستها وإدماجها في حياتك الروحية، ستنمو بلا شك في نعمة الله بطرق كثيرة.

جدول المحتويات

الفصل الثالث: الصلاة العقلية