الجمعة بعد أربعاء الرماد
اليوم ننقطع عن أكل اللحم. إنها تضحية صغيرة جدًا. ويمكن أن تُقدَّم التضحية بتردد وأسف، أو بفرح وحماسة. والفرق هو أننا حين نقبل هذه التضحية الصغيرة جدًا بفرح وحماسة، مترقبين النعمة التي تأتي منها، تكون النعمة التي ننالها أعظم بأضعاف مضاعفة مما لو قدّمنا هذه التضحية الصغيرة بفتور. فالتضحية الصغيرة المتمثلة في الانقطاع عن أكل اللحم يمكن أن تكون خصبة على نحو استثنائي في حياتنا حين نقدّمها بحرية وفرح ومن أعماق نفوسنا.
قدّم تضحية اليوم بالانقطاع عن أكل اللحم بالاتحاد مع الكاثوليك في جميع أنحاء العالم. فهذه التضحية، وكل تضحية أخرى نقدّمها طوال حياتنا، يجب أن تُقدَّم بالطريقة نفسها التي قدّم بها يسوع ذاته حين ذهب إلى البرية أربعين يومًا. وتقول رواية مرقس الموجزة إن «الروح دفعه إلى البرية…» (مرقس 1:12). أما روايتا متى ولوقا فتقولان إن الروح القدس «قاد» يسوع إلى البرية. وبعبارة أخرى، لم يكن دخول يسوع في زمن الصلاة والصوم والتضحية هذا أمرًا أُجبر عليه رغم إرادته. ولم يفعله بتردد وأسف. بل كان مدفوعًا من الداخل بالروح القدس إلى الإسراع للدخول في زمن التضحية هذا. لقد كان منقادًا، لا مُكرَهًا، واتّبع مشيئة الآب، بالاتحاد مع الروح القدس، بلهفة وعزم.
قد يبدو أي عمل تضحية، في ظاهره، سلبيًا في البداية. «أنا مُلزَم بأن أفعل هذا». ومع أن أي تضحية نُدعى إلى تقديمها قد تبدو في البداية عبئًا، فإن الحقيقة الروحية الأعمق تعلّمنا خلاف ذلك. فإذا عشنا بفيض الروح القدس، تتغيّر نظرتنا إلى كل شيء تقريبًا في الحياة، بما في ذلك نظرتنا إلى التضحيات التي نُدعى إلى تقديمها.
حين تقدّم اليوم التضحية الصغيرة بالانقطاع عن أكل اللحم، اسمح للروح القدس بأن «يقودك»، بل بأن «يدفعك» من الداخل، لتجعل منها لا مجرد واجب، بل أيضًا تقدمة روحية عميقة تختارها وتريدها لنفسك بالاتحاد مع يسوع. قدّمها لله كأمر صغير يمكنك أن تفعله اقتداءً بحياة ربنا البشرية. قدّمها بثقة عمياء واطمئنان إلى ربنا، عالمًا أن الاقتداء به هو دائمًا أسمى سبيل للعمل. لا تنظر إليها كأمر سلبي أنت مُلزَم بفعله. بل انظر إليها كفرصة صغيرة، لكنها مجيدة، لتعبّر عن محبتك لله، وتروّض ميولك غير المنضبطة، وتنمو في الفضيلة.
يا ربي الذي بذل ذاته، لقد قدّمت تضحية أيامك الأربعين في البرية بمنتهى العزم والتصميم. وكان فرحك العظيم وامتيازك أن تقدّم هذه التضحية البشرية إلى أبيك السماوي بدافع من الروح القدس. أرجوك أن تمنحني النعمة في هذا اليوم، وفي كل يوم، لأقدّم كل تضحية في حياتي بالاتحاد مع استعداد قلبك الأقدس وفرحه. يا يسوع، إني أثق بك.
انظر أيضًا: التأمل الثالث – 40 يومًا في البرية
